الأعياد

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

7/1/2003

جريدة الجمهورية

 

 

أهنئكم يا أبنائي وإخوتي الأحباء بعيد رأس السنة.

راجياً من الله أن يهبنا عاماً سعيداً. يكون مباركاً علينا جميعاً. وعلي بلادنا المحبوبة مصر. وعلي الشرق الأوسط والعالم كله..

ونطلب إليه أن يهبنا في هذا العام الجديد أن نرضيه فيه وبقوة إلهية من عنده. أن ننتصر علي ضعفاتنا. وأن نحيا حياة البر. نحب الخير. ونحب الغير. ونبعد عن كل شر وشبه شر. وأن نضع الله أمامنا في كل ما نفعله. وفي كل ما نقوله. بحرص شديد ألا نخطيء إلي أحد.

وليكن بدء العام عيداً جديداً. نبدأ فيه حياة صالحة. ونفرح ليس فقط بالعيد. بل بالصلاح الذي نسلك به فيه.

* * *

إن الأعياد هي أيام فرح.. والله يريد لنا أن نفرح..

وهو- تبارك اسمه- عندما خلق الإنسان. إنما خلقه للفرح. ولذلك بعد خلقه. وضعه في جنة هي جنة عدن. وأحاطه فيها بكل ألوان البهجة. ولم يدعه معوزاً شيئاً..

وحتي بعد أن تنتهي أيام حياة الإنسان علي الأرض. قد أعدّ الله للإنسان البار فرحاً في العالم الآخر. هو النعيم الأبدي. الذي لا يحدّ في نوعيته. ولا في مدته.. وطلب الله منا أن نعدّ أنفسنا لهذا الفرح الذي في السماء بالأعمال الصالحة وحياة البر. حتي ندخل إلي ذلك النعيم عن استحقاق. فالسماء لا يدخلها أحد من الأشرار.

* * *

والأعياد التي يفرح بها الناس. هي علي أنواع:

منها أعياد وطنية يشترك فيها كل أبناء الوطن الواحد معاً.. وأعياد دينية في مناسبات دينية معينة.. كذلك توجد أعياد اجتماعية. وأعياد شخصية...

ونحن في مصر لنا أعياد وطنية نحتفل بها جميعاً

منها عيد الثورة. وعيد الجلاء. وعيد النصر في حرب أكتوبر. وعيد الجندي المجهول حيث يضع الرئيس أكاليل الزهور علي قبر ذلك الجندي رمزاً لكل الجنود الذين بذلوا حياتهم لأجل الوطن..

ولكل بلد من بلاد العالم لها أعياد وطنية خاصة بها. لعل من أهمها أعياد الثورة. وأعياد الحرية. وأعياد الاستقلال. وأعياد الدستور.. ويفرح الوطن كله بالعيد الوطني. وأحياناً- كمظهر للفرح- تُرفع الأعلام. وتُطلق المدافع.

ومن الأعياد الوطنية عيد جلوس رئيس الدولة وتوليه منصبه. وفي أيام الملكية. كانت مصر تحتفل أيضاً بعيد ميلاد الملك وغالبية الدول تجعل أيام الأعياد الوطنية عطلة رسمية.

* * *

والأعياد الدينية. تختلف في كل دين حسب عقائده

فهناك مثلاً أعياد خاصة بالمسلمين وحدهم. وأعياد خاصة بالمسيحيين وحدهم. وأعياد خاصة باليهود وحدهم. وأعياد مشتركة ومن الملامح الهامة لعهد الرئيس محمد حسني مبارك انه جعل عيد الميلاد "7 يناير" في مصر. عطلة لجميع المصريين مسيحيين ومسلمين وفي الواقع ان المسلمين يؤمنون دينياً بميلاد السيد المسيح. بل يؤمنون دينياً أيضاً بميلاده من العذراء مريم. وقد وردت قصة ميلاده العذراوي في أكثر من سورة من سور القرآن. كما ورد أيضاً تبشيره بالانجيل. وهكذا يصبح احتفالهم بميلاد المسيح يتفق مع دينهم الاسلامي. ولا يتعارض معه.

* * *

عكس ذلك تماماً. مع اليهود الذين لا يؤمنون بمجيء المسيح!

لا يؤمنون بميلاده علي الإطلاق. ولا بميلاد المسيح من عذراء. وربما يعتقدون أن المسيح في مجيئه. سيأتيهم كقائد ينصرهم في الحروب. من نوع شمشون أو جدعون.. وليس كشخص ينشر الحب والسلام!! ومن هنا. فإن اليهود- من جهة ميلاد المسيح ومجيئه- يختلفون تماماً عن المسلمين والمسيحيين معاً.

ومن هنا أيضاً كانت استهانتهم بكنيسة المهد. واعتداءاتهم علي مدينة بيت لحم حيث ولد المسيح. وعرقلتهم للاحتفالات بعيد الميلاد هناك. ذلك لأنهم لا يعتقدون أن المسيح قد وُلد حتي ا لآن. وأصبحت المقدسات الخاصة بميلاده ليست مقدسة في نظرهم!

والمسيح- كما يدعونه المسيا- لن يكون في نظرهم مخلصاً روحياً إنما- حسب اعتقادهم- الخلاص الذي ينتظرونه. هو "خلاص من أعدائنا. ومن أيدي جميع مبغضينا"..!

* * *

ومن هنا كان القرار الذي أصدره الرئيس مبارك الخاص بيوم 7 يناير. إنما يعلن ضمناً أن المسلمين والمسيحيين في ناحية. واليهود في ناحية أخري.. من جهة ميلاد المسيح

وحينما يقف المسيحيون والمسلمون معاً يوم 7 يناير. في موقف التهنئة والفرح بميلاد المسيح. يقف اليهود بعيداً وهم يصيحون: كلا إن المسيح لم يولد بعد. والمسيا لم يأت حتي الآن! وكل الذين احتفلوا بميلاده منذ ألفي عام- وحتي الآن- هم علي خطأ ونحن اليهود فقط علي صواب!!

وكنيسة المهد في بيت لحم. لماذا أطلق عليها لقب "المهد"؟ مهد من؟ أليس مهد المسيح؟ ولكنهم لا يؤمنون بذلك.

لذلك لم يفرحوا بميلاد المسيح. ولم يسمحوا للرئيس ياسر عرفات أن يشترك مع مواطنيه المسيحيين في ذلك الفرح.

* * *

ننتقل إلي الأعياد الاجتماعية. وهي كثيرة:

يمثلها بالنسبة للمصريين جميعاً يوم شم النسيم. حيث يسميه البعض أيضاً عيدالربيع. ويحتفل به الكل في الحدائق.. كان يشبهه في القديم من ناحية أخري عيد "وفاء النيل".. ومن الأعياد الاجتماعية أيضاً في مصر: عيد الأم. أو عيد الأسرة. ويأتي في بداية الثلث الأخير من شهر مارس "21 مارس" ويتباري فيه الأبناء في تكريم أمهاتهم عرفاناً بجميلهن ومحبتهن. ويقدمون لهن التهاني والهدايا..

وحبذا لو وُجد عيد اجتماعي آخر باسم عيد الطفولة.. وفي أمريكا يوجد عيد اجتماعي باسم "عيد الشكر". وعيد اجتماعي آخر باسم "عيد الحب".. وعند اليهود يوجد "عيد الحصاد". وقد كتب عنه في التوراة وهو بالإضافة إلي كونه عيداً اجتماعياً. هو أيضاً عيد ديني.

* * *

الأعياد الشخصية هي كثيرة أيضاً. تختص بكل فرد علي حدة: كأن يحتفل كل شخص بعيد ميلاده. ويوقدون له شموعاً بعدد سني عمره. وينشدون له قائلين "سنة جميلة يا.." ويهنئونه. ويكون يوم ميلاده مجالاً لتقديم الهدايا أو باقات الزهور كذلك كثير من الأزواج. يحتفلون بعيد زواجهم.. هذا طبعاً إذا ما بقيت العلاقات طيبة بين الزوجين علي مرّ السنين.. ومن الأعياد الشخصية احتفال طالب الجامعة بيوم تخرجه. وكثير من الجامعات الأجنبية تعطي هذه المناسبة صفة أعمّ. وتسمي ذلك اليوم "يوم الخريجين" تحتفل بهم جميعاً وتدعو إليه عائلاتهم معهم ويمكن للطالب أن يكرره كل عام علي مستوي أسرته.

وهناك مناسبات هامة جداً في حياة كل إنسان. يفرحه أن يحتفل بها كعيد. ولو في محيط أسرته وأصدقائه..

* * *

هناك أعياد أخري خاصة بالهيئات والنقابات

ولعل من أبرزها في مصر "عيد العمال". ومع أنه خاص بالعمال. إلا أنه أصبح عيداً وطنياً تحتفل به مصر كلها. ويصبح يوم عطلة. وتقام فيها الاحتفالات التي يرأسها رئيس الجمهورية. ويلقي فيها كلمة.. وبالاضافة إلي عيد العمال بصفة عامة. نجد أن لكل نقابة من النقابات عيداً خاصاً يحتفل به أعضاؤها. وفي مصر أيضاً عيد لكل محافظة من المحافظات. يكون مجالاً لسرد انجازاتها وأنشطتها. والاعلان عن ذلك في الصحف. واقامة الاحتفالات وتلقي التهاني. مع إبراز ما تقوم به كل هيئة في المحافظة علي حدة. والجرائد كذلك والصحف تحتفل بأعيادها. كما احتفلت جريدة الجمهورية بعيدها الخمسين. وتلقت التهانيء من كافة الشخصيات والهيئات.

* * *

وكما تحتفل الجرائد والمجلات بعيد تأسيسها

كذلك تحتفل كثير من الهيئات بعيد تأسيسها أيضاً

ولعل أبرز ما تم في العام الماضي. الاحتفال بإعادة تأسيس مكتبة الاسكندرية. وقد دعي إلي ذلك الاحتفال الكثير من رؤساء الدول ومن كبار الشخصيات. وكان مجالاً للحديث عن المجد القديم لمكتبة الاسكندرية وللثقافة المصرية. وما حواه الاحتفال من كلمات هامة. ومن مشاركة لرجال الفن بقطع معينة كذلك الاحتفال بمرور سنوات علي تأسيس المتحف المصري وما أكثر الجمعيات والهيئات التي تحتفل بيوم تأسيسها.

* * *

إن الأعياد- علي تنوعها- مناسبات يشترك الناس فيها في الفرح

هي مجال للاجتماع معاً. وتقديم أو تبادل التهانيء. سواء علي مستوي الأسرة. أو الجماعة. أو النقابة. أو المحافظة. أو علي مستوي الوطن كله أو قطاع منه..

وهي مجال لتبادل العواطف وكلمات المودة.. فهي إذن رابطة اجتماعية لها فائدتها. وفيها ينسي الناس أحزانهم. ويبعدون عن أسبابها وظروفها. ويعيشون في جو آخر له متعته وذكرياته هي لون من "تغيير الجد" أو استبدال صورة بصورة أو الحياة في فترة معينة. لها طابعها المبهج. ينتقل إليها الناس من روتين الحياة العادي إلي إطلالة علي جو فيه إثارة ممتعة لكل من الفكر والقلب. تترك آثارها في المستقبل أيضاً.

* * *

والأعياد لها مظاهرها غير العادية. ولها استعداداتها

تشعر أثناءها أن المجتمع قد تميز بصورة خاصة تناسب العيد.. فالأعياد الوطنية لها اجتماعاتها وخطبها. وأحياناً لها مواكبها. ولها أعلامها. وطلقات مدافعها. وقد يكون لها استعراضات معينة.. وتأخذ فيها وسائل الاعلام لوناً جديداً من البرامج سواء في الجرائد أو المجلات أو الإذاعة أو التليفزيون تبرز أهمية العيد وأحداثه وذكرياته..

أما الأعياد الدينية. فلها صلواتها وتسابيحها. ولها بهجتها وبخاصة بالنسبة إلي الأطفال في ملابسهم الجديدة. وفي متعهم البسيطة وملاهيهم. وفي أصواتهم وضوضائهم. ومرحهم ولهوهم. ولهذه الأعياد برامجها أيضاً في وسائل الإعلام. مما يستعد له الفنانون قبل موعده بمدة طويلة.. والأعياد الخاصة لها بساطتها وفرحتها. في محيط العائلة والأصدقاء. ولها روابطها القلبية. وتبادلها بين المحبين.

والأعياد تتنوع بين الجدية والقدسية واللهو

أعياد الدولة لها جديتها. ولها أهدافها السامية. وبالإضافة إلي ما يقال فيها من كلمات هامة. أو تصريحات رسمية. قد تكون أيضاً فرصة لتوزيع بعض الأوسمة أو الجوائز. كما يحدث مثلاً في حفلات الجيش أو الشرطة في أعيادها الرئيسية.

ونفس الجدية نجدها في أعياد المحافظات والنقابات ودور العلم وما أشبه. وقد يُوزع فيها أحياناً درع المحافظة أو درع النقابة أو درع الكلية علي المتميزين من المدعوين وكذلك أعياد التأسيس. وأعياد الخريجين. وأعياد العمال وكل تلك الجدية لا تخلو من الفرح بالمناسبة. وما يمنح فيها.

* * *

علي أن هناك أعياداً. عنصرها الأساسي هو المرح واللهو

لأنه لو صبغتها الجدية الكاملة. لفقدت فرحها وبهجتها.. وفيها يضحك الناس من كل قلوبهم. ويفرحون معاً. وتشترك معهم وسائل الاعلام في تقديم وسائل للمرح.

إنما ينبغي أن يكون كل ذلك في إطار اللياقة والمسموح به. ولا يخرج عن حدّه. فليس الخطأ في الفرح. إنما في التجاوز والتسيب.. ونحن ننتهز فرصة أفراح الأعياد. لكي نهنيء الجميع. ونرجو لكم من الرب حياة سعيدة.