النفوس المريحة

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

13/5/2003

جريدة الجمهورية

 

 

النفوس المريحة هي التي تريح غيرها.

قد يجلس إنسان معك. فتستريح لوجوده. وتود لو أن جلسته تطول مهما مرّ الوقت. بينما يجلس إليك آخر. فتظل تعد الدقائق. وتتمني لو أنه رحل عنك. أو لو كان لم يأت. ذلك لأن أحد الشخصين مريح. والآخر متعب.

إنسان يمرّ عليك كالنسيم الهاديء. أو كالنسيم العطر وآخر يمرّ بك. وكأنه عاصفة هوجاء.

فما هي إذن النفس المريحة؟ وما هي صفاتها؟

ولماذا تكون نفوس بعض الناس متعبة. وغير مقبولة؟

***

أول نفس مريحة في تاريخ كل إنسان. هي أمه:

يري الطفل راحته في صدرها الحاني. وفي رضاعته منها. وفي نظراتها العطوفة. وفي ابتسامتها. وفي استجابتها لاحتياجاته.. ومعها يشعر بالاطمئنان والأمن.

والطفل الرضيع. الذي نظن نحن أنه لايدرك شيئاً. من العجب أنه يستطيع أن يميز أمه أو مرضعته.. عن أية امرأة أخري.. فهي حين تحمله تبش له. ويبتسم هو لها في فرح وبشاشة وبراءة.. بينما تحمله أخري فيصرخ.

الطفل حساس جداً من جهة ملامح الناس:

هو لايتضايق مما يقال له من كلام. لأنه لايفهمه. ولكنه يفهم الملامح: يميز النظرة المريحة من النظرة المتعبة. ويميز الملامح البشوشة من الملامح المرعبة. يطمئن إلي النفس المريحة من نوع النظرة. وشكل الملامح. ونبرة الصوت. ويميز النفس المريحة التي تداعبه وتناغيه. لذلك احترسوا جداً من جهة ضبط ملامحكم حينما تقابلون الأطفال. واحترسوا أيضاً من جهة الانتهار والتوبيخ. لأن الملامح أثناءه لاتكون مريحة.

***

وصدقوني. نفس الأمر يكون في معاملة الكبار:

هم أيضاً يحتاجون إلي التعامل مع النفوس المريحة. يريحهم شكل الإنسان وملامحه. كما تريحهم معاملاته. وربما تري شخصاً لأول مرة. فلا تستريح إليه.. لاتستريح إلي تعبيرات وجهه. ولا إلي نبرة صوته. ولا إلي حركاته. ولا إلي شكله جملة.. فهو يوحي إليك بعدم الاطمئنان وعدم الثقة.

ويحدث هذا أحياناً في اختيار الأصدقاء.. هناك من تجتذب إليه. وتشعر من أول مرة. كما لو كنت تعرفه منذ زمن طويل.. وآخر تنفر منه تلقائيا ً قبل أن تتعامل معه!!

***

نفس الكلام نقوله تقريباً عن الأطباء:

هناك طبيب يستريح إليه المريض: في بشاشته من جهة. وفي شرحه للمريض عن طبيعة مرضه. وفي شرحه للعلاج. وفي اعطائه بريقاً من الأمل والرجاء مهما كانت الحالة حرجة أو خطيرة. ويشعر المريض بالاطمئنان إلي أنه في يد أمينة.. ومع قلب عطوف.. بينما طبيب آخر - بعد مقابلته للمريض - يخرج المريض منهاراً.

أتذكر منذ حوالي ستين عاماً. كان لي أخ مريض بالحمي. وكان يعوده في المنزل طبيب مشهور كان مدرساً في الجامعة. وفي أثناء الكشف عليه كل مرة. كانت نظرات كل أفراد الأسرة مركزة علي ملامح وجه الطبيب: فإن بدا متجهماً - ولو بعض الشيء - كان الحزن والقلق يخيمان علي الجميع.. أما لو كان الطبيب يبتسم. كان الكل يفرحون. دون أن ينطق الطبيب بكلمة..!

حقاً. إن ملامح الطبيب - كل طبيب - وكذلك أسلوبه وكلماته. كل ذلك له تأثير علي المريض ونفسيته ونفسية أقربائه. إن سلباً أو إيجاباً. وله دور في رفع أو خفض معنوياتهم.

***

 

ومن أمثلة ذلك أيضاً المرشدون الروحيون والمشرفون الاجتماعيون

وكذلك كل من لهم صلة بالتربية. وبالتعامل مع النشء. وأيضاً من يعملون في مجال الإدارة أو التدريب. ومن يقومون بالاختبارات الشخصية. فيحكمون علي البعض بالصلاحية أو عدم الصلاحية.. منهم أيضاً نفوس مريحة. ونفوس غير مريحة. وهناك أساتذة في الامتحانات الشفهية. يخشي الطالب أن يقع في يد أحد منهم غير أن أحد المربين الحكماء. قلت في رثائه أبيات منها:

يا حكيماً أدّب الناس وفي                          زجرة حب وفى صوته عطفُ

لك أسلوب نزيه طاهرُ                              ولسان أبيض الألفاظ عنٌ

لم تنل بالذم إنساناً ولم                                     تذكر السوء إذا ما حلّ وصفُ

إنما بالحب والتشجيع قد                           تصلح الأعوج، والأكدر يصفو

كان هذا المربى من النفوس المريحة

***

الإنسان البشوش. له نفس مريحة:

الناس يحبون البشاشة. ويستريحون إلي الوجه البشوش الذي من فيض سلامه القلبي. يفيض بالراحة والسلام علي كل من يقابله.

البشاشة هي فرح. ينتقل من نفس إلي نفس. لذلك فإن غالبية الناس يحبون أصحاب النفوس المرحة التي تدخل البهجة إلي القلوب. ومن أمثلة هؤلاء الذين يمثلون في فيلم كوميدي ملامحهم مرحة. وحركاتهم وألفاظهم تسبب البهجة والضحك والفرح. ومن أمثلة هؤلاء أيضاً الفنانون الذين يرسمون رسوم الكاريكاتير مع فكاهات لطيفة. طالما أن الفكاهة بريئة ولطيفة ولاخطأ فيها..

ولأن البشاشة والفكاهة تريحان النفس. لذلك فإن المصورين قبل أن يلتقطوا الصور. يطلبون إلي الناس أن يبتسموا أولاً. لأن الوجه المبتسم هو وجه مريح لمن يراه. حتي أن البعض يبتسمون - ولو بطريقة مصطنعة - أثناء التصوير. غير أن كثيراً من الناس لهم بطبيعتهم وجوه مبتسمة بشوشة. في كل المناسبات. وبدون تصنع. هؤلاء من النفوس المريحة.

***

كذلك الإنسان الوديع الهاديء هو من النفوس المريحة:

إن الودعاء - بهدوئهم - يدخلون الهدوء إلي قلوب الآخرين. ومهما كانت الأمور تبدو صعبة. يعملون علي تهوينها وتخفيف وقعها. وبهذا يريحون غيرهم. وفي جو من الطمأنينة التي اعتادوها بطبعهم. فإنهم يبحثون الأمور معهم بهدوء للوصول إلي حل.

كذلك فإن الإنسان الوديع. هو إنسان مريح في معاملاته. لأنه يأخذ الأمور ببساطة. فلا تتعقد أمامه. ولايتعامل فيها بتعقيد مع الناس. إنه يحرص علي أنه لايُغضب أحداً. ولا يغضب من أحد. بل يتعامل مع الناس بسهولة ويسر. ولايدخل في خلاف مع أحد. علي قدر إمكانه.

***

وأيضاً المبشرون بالخير هم من النفوس المريحة:

إن الناس يحبون من يأتي إليم بخبر طيب. ويعتبرونه بشير خير. ويستبشرون به. ويفرحون بلقائه.

بعكس الذي يجلب الحزن إلي النفوس بأخبار سيئة ينقلها إليهم! إنهم يعتبرونه كالبوم التي تنذر بالخراب.

إن الأخبار التي تنشر في الجرائد. تختلف من واحدة إلي أخري. فمنها ما تريح النفوس بأخبارها. ومنها ما تزعج الناس وتخيفهم. وتشعرهم بأخطار مقبلة ومصائب يتوقعونها!

***

إن كان المبشرون بالخير من النفوس المريحة. فبالأكثر بلا شك يكون صانعو الخير:

* إن النفوس التي تعمل في الخدمة الاجتماعية. في رعاية الفقراء والمحتاجين. هي نفوس مريحة لكل هؤلاء. تزورهم وتبحث حالتهم وتغطي احتياجاتهم في فقرهم وعوزهم وكل ديونهم.

* أما إن انقلب خدام الخدمة الاجتماعية إلي مجرد محققين. وبكل عنف يحققون مع الفقراء. ويتهمونهم بالاحتيال والكذب. بدلاً من فحص ظروفهم برفق وعطف.. حينئذ يعدون من النفوس المتعبة ومن النفوس المريحة من يتولون رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. من المعاقين. والمكفوفين. والصم والبكم. وأيضاً المعاقين ذهنياً. ويعملون كل جهدهم علي اراحتهم. وعلي توفير حياة أفضل لهم.. كلهم صانعو خير.

***

ومن النفوس المريحة. من صانعي الخير. من يتولون العناية بضحايا المخدرات. لإنقاذهم مما هم فيه..

هناك من يلوم هؤلاء. ويشهر بهم. ويتحدث عنهم كعناصر مذنبة في مجتمع صالح. ولكن لوم هؤلاء لايصلح حالهم. بل يكون ثقلاً جديداً علي ماهم فيه من تعب وعبودية للإدمان.

أما النفوس المريحة فهي التي تعتبر المدمنين مجرد مرضي يحتاجون إلي علاج. فتقوم أولاً علي نصحهم. ثم العمل علي اخراج السموم التي في جسمهم. وبعد التوعية والعلاج الجسدي. يضمونهم إلي مراكز التأهيل لإعادة الحياة الفضلي إليهم.

وفي خلال ذلك يهتمون أيضاً بأسراتهم. ثم البحث عن مجال للعمل لهؤلاء المرضي بعد تمام شفائهم. ورعايتهم بعد ذلك حتي لايعود أحد منهم إلي إدمانه السابق.

لاشك أنه مجهود شاق. وفي نفس الوقت مجهود نبيل. يقوم به أصحاب النفوس المريحة. التي لاتدين المخطيء بل تصلحه. ونذكر في قول السيد المسيح "ما جئت لأدين العالم. بل لأخلص العالم". لذلك حسناً قيل عنه إنه "كان يجول يصنع خيراً".

***

ومن النفوس المريحة. أولئك الذين يقومون برعاية المسجونين:

سواء الذين ارتكبوا ذنباً كان جزاؤه السجن. أو الذين أضلّهم آخرون وأوقعوهم في شباك الخطيئة وجروّهم معهم إلي نفس مصيرهم. أو الذين دُبرت ضدهم مؤامرات مُحكمة وتهم ملفقة حيكت أسانيدها بمهارة وحبكة. كل هؤلاء مذنبين أو ضحايا. ما أسهل أن يلفظهم المجتمع ويتركهم إلي مصيرهم.

أما النفوس المريحة والعطوفة. فإنها تعمل من أجل هؤلاء أيضاً سواء في العمل مع ضمائرهم وارشادهم إلي حياة التوبة. والمصالحة مع الله والمجتمع.. أو في العناية بهم من جهة كافة احتياجاتهم المادية. وزيارتهم ورفع معنوياتهم.

وأيضاً تعمل النفوس المريحة علي العناية بأسرات المسجونين. وبخاصة الأسرات التي فقدت عائلها الوحيد بإيداعه السجن. وأصبحت بلا عائل. بل أيضاً بلا سمعة في المجتمع. إذ أن سجن أحد أفراد الأسرة أصبح عاراً للأسرة كلها..!

النفوس المريحة تهتم بالسجين كما تهتم بأسرته أيضاً.

***

النفوس المريحة هي نفوس شفوقة عطوفة. تهتم بكل أحد. كما تريح الشرفاء. تعمل بنفس الروح المريحة مع المخطئين..

هي نفوس لاتتعامل بكبرياء مع المخطيء. تحتقره وتبعد عنه. إنما تعمل بكل جهد علي إقامته من سقطته.

ونري مثالاً لذلك في الآباء والأمهات مع الابن الساقط. أما مع الابنة الساقطة. فكانت قديماً تستحق الموت من أسرتها. فتقتلها الأسرة محواً للعار. وهكذا تموت في خطيئتها. وتكون قد فقدت الأرض والسماء معاً. دون توبة.

ولكن النفوس المريحة لاتتصرف هكذا بكل قسوة. إنما تعمل علي إقامة الساقطة من سقطتها. لتحيا حياة جديدة طاهرة نقية. لأن الإصلاح أفضل من الاقتصاص.

***

تكلمنا علي النفوس المريحة. فماذا عن النفس غير المريحة؟ ما صفاتها؟ وما أمثلتها ونوعياتها؟

هذا ما أود أن أحدثكم عنه في العدد المقبل إن شاء الله. إن أحبت نعمة الرب وعشنا.