الحكمة

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

14/10/2003

جريدة الجمهورية

 

 

 

الحكمة لازمة لكل إنسان. ولازمة في كل وقت. ولكل شيء..

وذلك لكي يعرف كل شخص كيف يتصرف حسناً. وكيف يتعامل مع غيره من الناس.. الحكمة تعلمه كيف يتلافي الخطأ والخطر. وكيف يكون بلا لوم أمام الناس. بل موضع ثقة واحترام منهم.

والحكمة تدخل في كل فضيلة من الفضائل...

بحيث ان الفضيلة التي لا تُمارس بحكمة. قد تأتي بنتيجة عكسية أو ضارة.

فالتواضع فضيلة جميلة. ولكن إذا سلك الإنسان فيه بغير حكمة. قد يصل إلي ضياع شخصيته وكرامته واحترام الناس له. والعطاء أيضاً والإحسان إلي الغير من أحسن الفضائل. ولكن إذا سلك شخص فيه بغير حكمة. قد يقع فريسة للمحتالين فيعطيهم بدلاً من أن يعطي المحتاجين.

وهكذا كل فضيلة تحتاج إلي حكمة في ممارستها.

****

الحكمة تشمل العقل. كما تشمل الإرادة أيضاً...

فهي تشمل الذكاء. والفهم والتمييز. وتشمل كذلك حسن التصرف..

هي تشمل الهدف المطلوب. وكذلك الطريقة التي توصل إليه.

وليست كل وسيلة توصلك إلي هدفك هي وسيلة سليمة. فالحكمة النقية هي التي تختار وسائل يوافق عليها الضمير. أما حكمة الأشرار. ففيها المكر والخبث والدهاء. وربما من وسائلها الكذب والخداع. ولها كثير من السبل والطرق يدبرها الشيطان. ومن العجيب أن تلك الطرق الخبيثة قد توصّل بسرعة. ويقدم عليها كثيرون. ولكنها غير مقبولة أمام الله..

****

والحكمة لازمة للتمييز بين ما ينبغي عمله. وما لا يصح. وبين ما يجب وما يجوز..

وفي الواقع أن الأعمال تنقسم إلي أربعة أقسام: عمل هو خير واضح. وعمل هو شر واضح. وكل منهما لا يحتاج إلي تمييز.

أما النوع الثالث. فهو الذي يحتار أمامه الفكر: أهو خطأ أم صواب؟ أو يحتار أمام نتيجته أو وسيلته! وهو في الواقع يحتاج إلي حكمة وإفراز. أو علي الأقل يحتاج إلي مشورة صالحة. وإلي كلمة منفعة تنير الطريق أمامه. وهنا تبدو فائدة المرشدين والحكماء.

والنوع الرابع الذي يحتاج إلي حكمة. فهو التفضيل بين طريقين. لايدري الضمير أيهما أصلح. فقد يكون كل منهما خيراً في ذاته. ولكن أيهما أكثر خيراً. أو أكثر مناسبة لهذا الشخص بالذات؟ أيهما أفضل له هو؟ ينفعه ويناسب طبيعته.

كل هذه الأمور تحتاج إلي حكمة. وإلي تباطؤ وفحص..

****

هناك مجال آخر يحتاج إلي حكمة. وهو طريقة الوصول إلي فضيلة معينة. أو طريقة التدرج إليها..

فالفضائل واضحة مشروحة في الكتب الروحية. ولكن ما هي نقطة البدء؟ وما هو الأسلوب الأمثل لاكتسابها؟ والبعض قد يندفع إليها بسرعة ربما تأتي بنتيجة عكسية. أو تأتي بنكسة روحية! والبعض قد يسلك ببطء. ربما يؤدي إلي فتور أو كسل أو تراخ!

والعقل قد يقف حائراً بين حرارة السرعة وتباطؤ التدرج. ويحتاج إلي حكمة كيف يسلك؟

****

تلزم الحكمة أيضاً في أمور معينة تبدو حساسة أو مصيرية:

فقد يتصرف الإنسان بجهل تصرفا يندم عليه كل أيام حياته. وربما يرتكب غلطة تكون غلطة العمر كله. ويأسف عليها ولا ينفعه الأسف والأسي!

وكأن الأمر يحتاج إلي حرص. أو إلي حكمة. أو إلي مشورة..

وأحياناً يتحمس الإنسان لتصرف معين. حماساً يملك عليه كل عواطفه. ولايكون هذا الحماس في صالحه. وقد يندم عليه! وقد يقول بعد فوات الفرصة: ليتني ما فعلت! ليتني استشرت! وربما كان الأمر يحتاج إلي حكمة في النظر إليه من زوايا أخري. أو التفكير في نتائج معينة..!

لذلك فالمشورة تقدم وجهات النظر الأخري. أو تنبه إلي رؤية من زوايا غير واضحة. أو التبصرة بنتائج لم يعمل لها حساب..

****

بعض الناس عندهم سياسة وكياسة ودبلوماسية. يظنونها حكمة! والبعض عندهم دهاء أو ذكاء يظنونه أيضاً حكمة! وربما يكون هذا كله بعيداً عن الحكمة الحقيقية..

ومن هنا نود أن نميز بين الذكاء والحكمة:

الحكمة لها معني أوسع بكثير من الذكاء. وقد يكون الذكاء مجرد جزء منها.. الذكاء هو مجرد نشاط عقلي عماده الفكر. أما الحكمة فهي تتبع التفكير السليم بالتصرف الحسن.

والحكمة لا تعتمد علي العقل وحده. إنما تستفيد أيضاً من الخبرة. ومن المشورة. ومن الارشاد الإلهي..والحكمة ليست مجرد المعرفة السليمة. أو مجرد الفكر الصائب! إنما هي تدخل في صميم الحياة العملية. لتعبر عن وجودها بسلوك حسن. فهي ليست مجرد معلومات نظرية أو عقلية..

****

حقاً إن الفكر السليم أو الذكاء. يجوز اختباراً دقيقاً عند التطبيق العملي. فإن نجح يتحول إلي حكمة..

وقد يكون الإنسان ذكياً ويفكر أفكاراً سليمة. ولكن تنقصه الدقة في التعبير. لنقص معلوماته عن مدلول كل لفظ في دقة. فيخطيء في التعبير..

أما الإنسان الحكيم. فإنه يقول ما يقصده. ويقصد ما يقوله.

وهكذا تشمل الحكمة جودة التفكير. ودقة التعبير. وسلامة التدبير.

وهنا نقول: إن كل حكيم ذكي. ولكن لايشترط أن يكون كل ذكي حكيماً..

****

قد يتمتع إنسان بذكاء خارق وعقل ممتاز. ومع ذلك لا يكون حكيماً في تصرفاته. ربما توجد عوائق تعطل عقله وذكاءه أثناء التصرف العملي.

ربما تطغي عليه شهوة معينة تقود تصرفه. ويخضع لها تماماً.

وفي هذه الشهوة. يتصرف تصرفات بعيدة عن الحكمة علي الرغم من ذكائه الذي تكون الشهوة قد عطلته. وتولت القيادة بدلاً منه..!

* أو قد يخضع في تصرفاته لأعصاب تثور وتنفعل. فيتصرف بأعصابه. لا بذكائه. ولا يكون تصرفه حكيماً.

* أو قد يكون له ذكاء. ولكن تنقصه الخبرة أو المعرفة. ونقصهما يجعل سلوكه غير سليم.

****

الحكيم إذا كان ينقصه شيء من الذكاء. يستعيض عنه بالمشورة.

وكذلك بالقراءة والإطلاع. وبالاستفادة من خبرته وخبرات الآخرين. كما ينتفع أيضاً من أحداث التاريخ. كما قال الشاعر:

ومن وعي التاريخ في صدره                         أضاف أعماراً إلي عمره

ونظراً لأهمية الخبرة في الحكمة. لذلك نسمع عبارة "حكمة الشيوخ".

والمقصود بذلك. أنهم في مدي عمرهم الطويل. اكتسبوا خبرات كثيرة في الحياة تمنحهم الحكمة. بغض النظر عن درجة ذكائهم. فالذكاء ليس هو في الحياة كل شيء. وما أعمق من يجمع بين الخبرة والذكاء.

إن المشيرين الحكماء. في مشورتهم يضيفون إلي عمل الإنسان عقلاً. ويضيفون إلي فكره وجهة نظر أخري. ربما ما كان يلتفت إليها لقلة خبرته ومحدودية رؤيته. ولعلهم يمنعونه من الاندفاع في إتجاه معين تكون كل قواه الفكرية مركزة فيه بسبب غرض في قلبه.

****

من هنا نري أن الاندفاع يعطل الذكاء. أو يدفعه في اتجاه معين.

الحكيم لا يندفع في تصرفاته. إنما يهديء اقتناعه الخاص حتي يتبصر بأسلوب أعمق. وأوسع لا يسرع في التصرف. لذلك يتصف الحكماء بالتروي.

إن السرعة لاتعطي مجالا واسعا للتفكير والبحث والدراسة ومعرفة الرأي الآخر. كما أنها لاتعطي مجالا للمشورة ولعرض الأمر علي الله في الصلاة. وربما تحوي السرعة في طياتها لوناً من السطحية. والتصرفات السريعة كثيراً ما تكون تصرفات هوجاء طائشة.

والإنسان الذي يتسرع. ربما يقابله من ينصحه ويقول له: احترس. اعط لنفسك فرصة للتفكير. راجع نفسك فيما تنوي أن تفعل.

اذكر في هذا المجال بعض أبنائنا من المهجر. الذين يحضرون إلي مصر. ويريد الواحد منهم أن يتزوج في بحر أسبوع أو أسبوعين.

****

إن الحكماء تصرفاتهم متزنة رزينة. أخذت حظها من التفكير والعمق ومن الفحص. مهما اتهموهم بالتباطؤ!

ولا نفكر أن بعض الأمور تحتاج إلي سرعة في البت. ولكن هناك فرقاً بين السرعة والتسرع.

والتسرع هو السرعة الخالية من الدراسة والفحص. ويأخذ التسرع صفة الخطورة. إذا كان في أمور مصيرية أو رئيسية. ويكون بلا عذر. إذا كانت هناك فرصة للتفكير. ولم يكن الوقت ضاغطا. ولذلك فإنني أقول باستمرار

الحل السليم ليس هو أسرع الحلول. إنما هو أكثرها إتقاناً

****

قد تكون السرعة من صفات الشباب. إذ يتصفون بحرارة تريد أن تتم الأمور بسرعة. ولكنهم حينما يدرسون الأمر مع من هو أكبر منهم. يمكن أن يقتنعوا بأن السرعة لها مخاطرها. وقد تكون السرعة طبيعية عند بعض الناس. غير أن هؤلاء يحتاجون إلي تدريب أنفسهم علي التروي والتفكير.

وكثيراً ما يندم الشخص علي تصرف سريع صدر منه. فأخطأ فيه. أو ظلم فيه غيره.

مثال ذلك: صحفي قد يسرع في نشر خبر. ليحصل علي سبق صحفي. ثم يتضح أن الخبر غير صحيح. ويفقد الصحفي ثقة الناس من جهة دقة أخباره. وكان الأجدر به أن يتروي ويتحقق قبل أن ينشر..ومثال ذلك أيضاً: أب يعاقب ابنه. أو مدير عمل يعاقب أحد مرؤوسيه علي أخطاء. ثم يتضح أن الذي عاقبه كان بريئاً.

****

ومن معطلات الحكمة أيضاً عدم الفهم. أو قلة المعرفة:

فقد يكون هناك رجل ذكي جداً. ومع ذلك يفشل في حياته الزوجية. وأما سبب فشله. فهو جهله بنفسية المرأة. فهو يعاملها كما يتعامل مع الرجال! والمفروض في الرجل الحكيم أن يدرس نفسية المرأة وعقليتها وظروفها. بحيث يتصرف معها تصرفاً حكيماً.

وبالمثل علي المرأة أن تدرس نفسية الرجل وعقليته وطباعه. لكي تعرف أن تتعامل معه في حكمة.

ونفس الكلام نقوله في معاملة الأطفال. إذ ينبغي أن ندرس نفسية الطفل وعقليته. حتي يمكن أن نعرف الطريقة الحكيمة للتعامل معه. وكذلك بالنسبة إلي المراهقين والشباب.

****

وهكذا في التعامل عموماً. ينبغي علي كل شخص أن يدرس نفسية وعقلية وظروف من يتعامل معه: سواء كان زميلا في عمل. أو رئيساً أو مرؤوساً. أو صديقاً أو جاراً. ويعامله بما يناسبه..

كذلك في التعامل مع الإنسان المريض. أو العاجز. أو المديون..

فإن درست نفسية وعقلية من تتعامل معه. تعرف المفاتيح التي تدخل بها إلي شخصيته في تصرفك معه..

حتي لو تعطل المفتاح حيناً. نعرف كيف نزيته ونشحمه.. ثم نعيد بعد ذلك فتح الباب فينفتح.

وما نقوله عن التعامل مع الأفراد. نقوله أيضاً عن الشعوب.. بالنسبة إلي من يتعامل مع أجانب هنا. أو يسافر إلي بلادهم في دراسة أو هجرة. فلكل شعب طباعه ونفسيته وثقافته. مما ينبغي علينا أن نراعيه في التعامل معه..

حقاً إنه في بعض الأحيان. يكون فشلنا في التعامل مع أشخاص معينين. ليس راجعاً إلي عيب فيهم. بقدر ما هو راجع إلي عدم معرفتنا بطريقة التعامل معهم.