أهمية القلب

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

5/8/2003

جريدة الجمهورية

 

 

كما أن القلب مصدر هام لحياة الجسد. كذلك له أهميته في الحياة الروحية. وفي الحياة الاجتماعية في كل التعاملات مع الناس.

القلب هو مصدر لكل الفضائل. وأيضاً مصدر لكل الرذائل. فمنه يصدر كل شيء. وهو الذي يعبر عن حقيقة الإنسان. وعن خفاياه ونواياه. هو مركز المشاعر. ومركز العواطف. ومركز الحب..

والحياة الروحية. ليست مجرد ممارسات في العبادة. أو فضائل ظاهرية. إنما هي حياة قلبية. حياة قلب يرتبط بالله بعلاقة حب. تنبع منها علاقة طاعة وخشوع. وكل ما يتصف به الإنسان من فضيلة وعبادة. إنما هو نابع من قلبه. ومن حب هذا القلب للخير.

فالحياة الروحية إذن. ليست هي ممارسات من الخارج. ولا هي وصايا تنفذ لأجل الطاعة.. إنما هي قبل كل شيء. حياة القلب مع الله. وسنري الآن علاقة القلب بالمشاعر. وباللسان. والفكر والإرادة. وعلاقته بالتوبة والعبادة وكل تفاصيل الحياة مع الله..

***

القلب مصدر المشاعر

فيه الحنو والطيبة. أو فيه القسوة والشدة.

فيه الإيمان والثقة. أو فيه الشك وفقدان السلام.

فيه التواضع والوداعة. وفيه الكبرياء والخيلاء. فالاتضاع ليس هو أن يقول إنسان بلسانه كلام اتضاع. كأن يقول: "أنا خاطئ وضعيف. أنا لا أستحق شيئاً"!. فقد يقول هذا. بينما لا يحتمل مطلقاً أن يقول له أحد الناس: أنت خاطئ. أو أنت مخطئ.

إنما التواضع الحقيقي هو تواضع القلب. والكبرياء هي ارتفاع القلب أو تشامخ القلب.. هي إذن خطية داخل القلب. قبل أن تتخذ أي مظهر خارجي..

القلب أيضاً فيه الخوف. أو فيه الاطمئنان.

أمر واحد يحدث لاثنين: أحدهما يخاف ويرتعش. ويتخيل له نتائج مرعبة. بينما الآخر يقابله بكل سلام وثقة في أنه سينتهي بخير. ويفكر في هدوء كيف يتلافي نتائجه السيئة.. حسب قلب كل واحد من الاثنين. تكون مشاعره.

إن القلب يشمل كل شيء فيك ومنك.

كل الخير الذي فيك مصدره القلب. وكذلك كل الخطأ.

كلمات لسانك نابعة من قلبك. لأنه من فيض القلب يتكلم اللسان. وكذلك أفكارك. إن كان في قلبك حب. يظهر الحب في معاملاتك. وإن كانت في قلبك عداوة أو كراهية. يظهر كل ذلك في تصرفاتك. بل يبدو ذلك في لهجة صوتك. وفي نظرات عينيك.

ومصدر كل ذلك هو القلب. إلا لو كان في القلب رياء أو نفاق. ويظهر الإنسان غير ما يبطن. وذلك أيضاً ينكشف..

***

القلب والفكر

القلب والفكر يعملان معاً. كل منهما سبب ونتيجة.

مشاعر القلب تسبب أفكاراً في العقل. والأفكار تسبب مشاعر في القلب. إذا اشتهي القلب خطية. فإن هذه الشهوة تجلب للعقل أفكاراً من نوعها. وإذا فكر العقل في خطية. تنقل إلي القلب مشاعرها وشهواتها.

إذن إن أردت صلاحاً لقلبك. ابعد عن مصادر الفكر الخاطئة.

ابعد عن الأفكار التي تأتيك من القراءات الخاطئة أو من الحواس. أومن المعاشرات الرديئة. أو من مصادر أخري.. حينئذي لا تضغط الأفكار علي قلبك. وحينئذي تصل إلي استقامة القلب وصلاحه.

إن الوجوديين الذين رفضوا الله بقلوبهم. دخلت أفكار الإلحاد إلي أذهانهم. الإلحاد إذن قد يكون من القلب والفكر معاً.

ربما تكون بينك وبين إنسان محبة.. ويأتي ثالث فيغيِّر فكرك من نحوه. تجد قلبك قد تغير أيضاً من نحوه. ومع تغيُّر قلبك. تتغير أيضاً ملامحك وكلماتك ومعاملاتك..!

وفي الناحية الدينية. تقول: أريد أن أعطي قلبي للّه. أقول لك: اعطه فكرك أيضاً. لأنه حسبما يكون قلبك. يكون فكرك.

وحسبما يكون فكرك. يكون قلبك أيضاً. ومكتوب في توراة موسي النبي: "تُحب الرب إلهك من كل قلبك. ومن كل فكرك".

إن تجديد الذهن يجلب تجديد القلب.

فإن دخلت إلي ذهنك أفكار جديدة. اقتنعت بها وآمنت بها. ستجد نفسك قد تغيرت تبعاً لذلك. شكلاً وقلباً. وتجد ضميرك قد سلك في نوعية جديدة يقود بها قلبك.. وبتغيُّر الفكر والقلب. يتغيَّر أسلوب اللسان أيضاً.

وكل هذا لابد أن يؤثر علي الإرادة...

***

القلب والإرادة

إذا ملأت محبة الله قلب إنسان. فإنه لا يستطيع أن يخطئ. لأن محبته للّه تسيطر علي تصرفاته. فتتجه إرادته نحو الله بالكلية.

أما إذا كان القلب غير كامل في محبته للّه. فإن إرادته تكون متزعزعة. تتصرف حسب التأثيرات الخارجية عليها. إن خيراً وإن شراً.

فإن كان كل القلب للّه. تكون كل الإرادة لله.

أيضاً إن كان القلب يتميز بالجدية والتدقيق. والالتزام بالقيم والمبادئ. فإنه علي حسب تمسكه بكل هذا. تكون إرادته قوية. أما القلب المتقلب فتكون إرادته متقلبة.

هناك ارتباط إذن بين القلب والفكر. وبين القلب والإرادة. وبين القلب والفضيلة. وهناك ارتباط بين القلب واللسان.

***

القلب واللسان

من فيض القلب يتكلم اللسان. الإنسان الصالح. من كنز قلبه الصالح يتكلم بالصالحات. والإنسان الشرير مما يكتنزه في قلبه الشرير يتكلم بألفاظ شريرة. من ثمارهم تعرفونهم.

إلا لو كان الكلام رياءً. وليس من القلب. أي أن يتكلم الإنسان بغير ما في قلبه. أو بعكس ما في قلبه. وفي هذه الحالة إن قال كلمة طيبة بفمه. وقلبه عكس ذلك. يحاسبه الله علي ما في قلبه. ويضاف إليه خطية الرياء أو النفاق..

الله الذي يحاسبك في اليوم الأخير. هو فاحص القلوب. وهو العارف بالمشاعر والنيات. والكلام اللين وحده لا يأتي بنتيجة. إن لم يكن صادراً عن مشاعر حقيقية في القلب. وإلا فإنه ينطبق عليه قول المزمور "كلماته ألين من الزيت. وهي سيوف مسلولة".!!

***

قد تعتذر لإنسان. فلا يقبل اعتذارك. لأنه يحس تماماً أن كلماتك ليست صادرة من قلبك. وأنها مجرد كلام!!

تتأسف له بلسانك. بينما نبرات صوتك ذاتها لا تعبر عن أسف أو ندم!. لأنها غير مختلطة بمشاعر القلب. فتبدو رخيصة غير مقبولة!.

والإنسان الحساس اللماح. يستطيع أن يكتشف حقيقة الكلام. وهل هو صادر من القلب أم لا..

سواء أكان كلام مديح. أو كلام اعتذار. أو كلام نصح... فإن نبرات الصوت تكشفه. وملامح الوجه تكشفه. وكذلك نظرات العينين.. وما هو داخل القلب. يمكن إدراكه ومعرفته. ولا يمكن للألفاظ أن تخفيه...

ما أعمق أهمية القلب في العلاقة مع الله ومع الناس.

***

الحياة مع الله

تبدأ حياتك مع الله من قلبك

تبدأ بالإيمان. والإيمان من عمل القلب.

بالإيمان تثق بوجود الله بصفة عامة. وبوجوده في حياتك بصفة خاصة. وفي حياتك معه تتكل عليه. وفي اتكالك عليه. تسلِّمه حياتك. حيثما يسيّرك تسير. وكيفما يصيّرك تَصير. يتبعه قلبك في كل شيء...

تجعل وصاياه في قلبك. وحسب المحبة التي في قلبك نحو الله. لا تستطيع أن تخطئ. لأن الخطية هي انفصال عن الله. انفصال في المحبة. وانفصال في المشيئة. وانفصال في العمل.

وفي محبتك للّه تود أن تكون معه في كل وقت. وفي كل مكان. هنا علي الأرض. وأيضاً معه في السماء بعد الموت.

***

وفي الصلاة تكون علاقة مع الله.

والصلاة ليست مجرد كلام مع الله. إنما هي مشاعر قلب نحو الله

لو كانت مجرد كلام. ما كان الله يقبلها. لأنه وبخ اليهود قائلاً: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عني بعيداً"!!

الصلاة قبل كل شيء هي شعور بالوجود في الحضرة الإلهية.

وهذا الشعور يرتبط به الخشوع. وكلاهما من القلب. ويظهران في الركوع وفي السجود. وفي الابتهال إليه.

والصلاة هي اشتياق القلب إلي الله.

كما قال داود النبي في مزاميره: "يا الله أنت إلهي. إليك أُبكّر. عطشت نفسي إليك. تشتاق نفسي إليك" "كما يشتاق الأيّل إلي جداول المياه. اشتاقت نفسي إليك يا الله" "متي أقف وأتراءي أمام الله....".

والصلاة التي من القلب. فيها الحرارة. وفيها الحب. وفيها الإيمان. وفيها مشاعر ترفع القلب إلي السماء...

***

ننتقل إلي نقطة أخري وهي:

قلبك هو السبب

قد تقول "فلان قد ضيَّعني". فأقول لك "لم يضيعك سوي قلبك"..

لو كان قلبك قوياً. غير قابل للضياع. ما استطاع هو أن يضيعك!. ثم إن هذا الشخص لا يمكنه أن يحاربك إلا من الخارج. فإن كنت من الداخل سليماً. فلن يضيرك في شيء...

انظر إلي الجنادل الستة التي تعترض النيل في منطقة النوبة. إن المياه تصدمها من آلاف السنين. ولا تستطيع أن تزحزحها من مكانها. أو تفتتها. لأنها صخور قوية. هكذا أنت إن كنت قوياً..

صدق ذلك الحكيم الذهبي "نعم حينما قال":

لا يستطيع أحد أن يؤذي إنساناً. ما لم يؤذِ هذا الإنسان نفسه.

***

قد تقول: الكلام الذي سمعته. غيّر أفكاري وشكّكني!.

أقول لك: هو قلبك القابل للتشكك. فلو كنت ثابتاً في قلبك. قوياً في إيمانك وفكرك. ما كان الشك يدخل إليك مهما سمعت من كلام.

إن الضعيف الإيمان. هو الذي يشك.

أتقول: إن الضيقات قد زعزعتني؟!.

أقول لك: لو كان قلبك قوياً. ما كان يتزعزع.

كثيراً ما قلت: إن الضيقة سُميت ضيقة. لأن القلب قد ضاق عن أن يتسع لها. أما القلب الواسع فلا يَضيق بشيء..

القلب الواسع يتناول المشكلة بهدوء ويحللها. فإن استطاع أن يحلها. انتهي الأمر. وإلا فإنه يعطيها مدي زمنياً تنحل فيه. أو يتركها إلي الله فيحلها له.

***

صفات القلب

يوجد قلب قوي. لا ينهار ولا يضعف مهما كانت التجارب. وقلب نقي طاهر. لا يسقط مهما كانت الإغراءات.

وقلب صامد. يظل ثابتاً مهما طال زمن المشكلة.

وقلب متواضع يحتفظ باتضاعه مهما نال من رفعة المناصب. ولا يتأثر إطلاقاً بكلام المديح أو الكرامة...

إذن الأهمية هي في نوعية القلب.