الفكـــــر

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

19/8/2003

جريدة الجمهورية

 

 

الفكر هو عمل عقلي. يمكن أن يكون خيراً أو شراًً. حسب نوعية تفكير الإنسان

فالتأمل مثلاً قد يكون تفكيراً خيراً. إن كان تأملاً في السماويات أو في أي أمر صالح. أما إن كان تأملاً في أمر ردئ. فحينئذ يكون شراً..كذلك هناك أفكار صالحة. وأفكار أخري شريرة.

الفكر والقلب

الفكر يتعلق بالقلب. يأخذ منه ويعطي

وخطية الفكر قد تكون في نفس الوقت خطية قلب. إن كانت نابعة منه. أو صادرة من مشاعره. كما أن القلب البار تصدر عنه أفكار صالحة مقدسة. ولا يمكن منطقياً أن قلباً طاهراً تخرج منه في أي وقت أفكار شريرة. لأنه "من ثمارهم تعرفونهم" كل شجرة جيدة تنتج ثمراً جيداً. وكل شجرة رديئة تطرح ثماراً ردية.

***

والمطلوب من كل إنسان أن يحافظ علي سلامة قلبه وسلامة فكره. وأن يحافظ أيضاً علي الخط الواصل بين القلب والفكر

فما هو هذا الخط الواصل ما بين القلب والفكر؟

قد تأتي الأفكار من القلب. ولكن من الجائز أن تأتي من الخارج. من مصادر أخري كالحواس مثلاً. فإذا ما قبل الإنسان الفكر في أعماقه. حينئذ يصل إلي القلب ويؤثر عليه.

يتحول الفكر في القلب إلي مشاعر وإلي انفعالات

فكر الزني يتحول إلي شهوة زني. وفكر الغضب يتحول إلي انفعال غضب. وفكر الحقد يتحول إلي مشاعر حقد. الفكر الخاطيء إذن. يوصل الخطأ إلي القلب.

كما أن مشاعر القلب تتحول بدورها إلي أفكار..والاثنان يتبادلان المواقع. ويصير كل منهما سبباً أو نتيجة.

تخرج الأفكار الخاطئة من العقل إلي القلب. إذا ما تساهل الإنسان مع الفكر ولم يطرده. بل تجاوب معه وتخرج الأفكار الخاطئة من القلب إلي الفكر. إذا كان القلب غير نقي.

***

الفكر والحواس

الحواس هي أبواب للفكر. يدخل منها إلي العقل..

فما تراه بعينيك. تفكر فيه. وما تسمعه بأذنيك. تفكر فيه. وكذلك ما تلمسه وما تشمه. وربما ما تذوقه أيضاً. تفكر فيه.

فإن أردت أن تضبط أفكارك. اضبط حواسك أيضاً

لا تتركها سائبة. إنما احترس. لأنه كما يحدث تبادل المواقع بين القلب والفكر. كذلك يحدث ما بين الفكر والحواس..ربما الفكر الخاطئ. يدعو إلي النظر والسمع واللمس بطريقة خاطئة. وبنفس القياس الحواس الخاطئة تجلب أفكاراً من نوعها.. كذلك المناظر المقدسة تجلب أفكاراً مقدسة. والوجود في أماكن مقدسة. يعطي نفس الإحساس ونفس الفكر.

هناك مصدر آخر للفكر. هو البيئة والصداقة.

***

الفكر والبيئة

إن الذين تعاشرهم من الناس. يجلبون لك أفكاراً جيدة أو رديئة.

سواء كانوا أصدقاء أو معارف أو جيراناً. أو زملاء في العمل. أو أقرباءك في بيتك. وعلي رأي الأديب الذي قال:

قل لي من هم أصدقاؤك. أقل لك من أنت.

ما أكثر الأفكار التي تأتي من "الزنّ في الآذان".

كلمة تقال لك اليوم بمحاولة اقناعك. فلا تصدقها. فإن سمعتها باكر بإقناع. قد تشك. وإن ضغطت عليك الاقناعات بعد باكر. قد تقبلها. وإن استمر الضغط. قد تؤمن بها وتنشرها. وتنفعل بها. وهذا جزء مما يسمونه "غسيل المخ".

***

وغسيل المخ يأتي من وضع العقل تحت تأثير فكري متتابع وضاغط. لمدة طويلة. مع إبعاده عن أي مجال فكري مضاد للرد أو للحوار.. إلي أن يتغير فكر الإنسان تماماً.

***

يأتي الفكر أيضا من البيئة: من الرأي العام. والصحافة والإعلام.

ومن المطبوعات. ومن سائر المصادر الفكرية مقروءة أو مرئية.. بواسطة القراءات. صار البعض شيوعيين في أفكارهم. وقراءات أخري تجلب أفكاراً شهوانية. وقراءات ثالثة تجلب أفكاراً فلسفية. وقراءات من نوع آخر تجلب أفكاراً روحانية أو نسكية. أو تحمسك لعقيدة ما. أو تشعل قلبك بخدمة المجتمع..ومثل القراءات أيضاً: الراديو. والتليفزيون. والفيديو. والإنترنت. والكمبيوتر. والكاسيتات.. هذه كلها تأتي للعقل بأفكار من الخارج. وليس من القلب. أما دور القلب هنا فهو قبوله لاستخدام هذه الوسائط..هل تظن أنك وحدك في هذا العالم؟! كلا. بلا شك. فكل ما هو حولك يؤثر عليك.

***

مصدر آخر للفكر هو توالد الأفكار..

توالد الأفكار

الفكر يلد فكراً. ويلد شكوكاً وظنوناً. ويلد أيضاً أحلاماً..

لا يوجد فكر عقيم. ولا فكر عاقر. وبخاصة مع العقل الخصيب.

قد يأتيك فكر من أي مصدر. فتأخذ مع الفكر وتعطي. فيلد لك أفكاراً أخري كثيرة.. وقد يلقي بعضهم بشائعة ما. ربما لا أساس لها من الصحة. ومع ذلك ما أكثر ما تلده من أفكار وشائعات..

والعجيب أن كل ما يلده الفكر. قد يرسخ في العقل الباطن.. والعقل الباطن هو مصدر آخر للأفكار.

***

 

العقل الباطن

العقل الباطن تُخزن فيه الأفكار. والصور والأحداث. والرغبات. والمشاعر. والقصص. ويصبح مصدراً لأفكار وأحلام وظنون..

أضرب لك مثلاً بالريكوردر أو الكمبيوتر. حيث تخزن فيه معلومات تسترجعها متي تشاء.. عقلك أصعب من هذا الكمبيوتر. لأن ما فيه من معلومات قد تخرج منه دون أن تشاء.. كأفكار أو أحلام.

وهنا أتذكر سؤالاً وجهه البعض إليّ. وهو:

هل الأحلام الخاطئة تعتبر خطية. بينما هي بغير إرادتي؟!

وكانت الإجابة هي: قد تكون الأحلام بغير إرادتك. وقت خروجها من العقل الباطن. ولكنها لم تكن بغير إرادتك يوم تخزينها فيه.. إذ قد تكون ثمرة قراءات قرأتها من قبل بإرادتك. أو ثمرة سماعات قد سمعتها. وصور قد رأيتها. وكان كل ذلك بإرادتك وتخزن في عقلك الباطن. أو قد تكون تلك الأحلام نتيجة لشهوات كامنة فيك.

***

إذن الأحلام ليست كلها غير إرادية. بطريقة مطلقة.. والبعض يسميها أحياناً "شبه إرادية"..

فإن كانت الأحلام ليست نتيجة إرادة حاضرة. بل هي نتيجة إرادة سابقة. إذن اسأل نفسك في صراحة: هل توجد رواسب قديمة في نفسك من جهتك أو من جهة غيرك قد سببت تلك الأحلام؟ وحاول أن تعالج ما يمكنك معالجته..وقد يكون الحلم الخاطيء محاربة لك من الشيطان.

وعموماً : إذا كان الحلم ضد إرادتك تماماً. وليست له مسببات سابقة. وعقلك يرفضه كل الرفض. حينئذ ستستيقظ دون أن يكمل الحلم.. مثال ذلك: إذا كان شخص نتيجة الخوف أو الرعب. قد حلم أن عدواً أمسك سكيناً ليقتله. فإن السكين إذا اقتربت من عنقه في الحلم. لابد أن يفتح عينيه ويستيقظ. لأن عملية ذبحه مرفوضة كل الرفض من عقله. وليست لها صورة مسجلة في عقله الباطن.

***

هناك مصدر آخر للفكر وهو الأسباب النفسية:

أسباب نفسية

إنسان مثلاً في طبعه القلق أو الاضطراب. تجده بدون أي سبب خارجي خاضعاً لأفكار القلق والاضطراب النابعة من نوعية نفسيته.. كذلك إن كان إنسان في نفسيته طبع الخوف. تجد أن أفكار الخوف تطارده.. وبالمثل إذا كان شخص شكاكاً بطبيعته. تجد أفكار الشك تراوده وتتعبه. بدون أي سبب واقعي.

ولمعالجة كل هذه الأفكار. لابد من معالجة النفسية..

فإذا صلحت النفس وصارت سوية. صلحت الأفكار تبعاً لذلك.

لذلك تجد أن الشخص البسيط لا يراوده الشك. والإنسان الوديع الهاديء لا تحاربه أفكار القلق ولا الخوف ولا الغضب.

***

إنسان يسمع خبراً. فيقول لك : هذا الخبر خطير.. وقد لا يكون خطيراً علي الإطلاق. ولكن نفسيته صورته له هكذا.. بينما شخص آخر يتلقي نفس الخبر بكل هدوء. ولا تنزعج أفكاره بسببه.

 

إذن حسب نوعية النفسية. تكون أيضا أفكارها

إنسان حسب نوعية نفسيته. تأتيه أفكار يأس فينسحب من مشروع معين. بينما زميل له في نفس المشروع. لا ييأس ولا ينسحب. بل يستمر وفي قلبه رجاء وتصميم. وينجح.

ثلاثة يرون شخصاً واقفاً في الظلام: فيقول أحدهم إنه لص أو قاتل. ويقول الثاني لعله في موعد سري مع امرأة. بينما يفكر الثالث في أن ذلك الشخص هارب من عدو ومختبئ خوفاً. وهكذا حسب نوعية نفسية كل من الثلاثة. تكون ظنونه وأحكامه.

***

مصدر آخر للأفكار هو حروب الشياطين

حروب الشياطين

ربما لا تكون الأفكار المحاربة نابعة من قلب الإنسان أو نوع نفسيته. ولا هي بسبب البيئة والتأثيرات الخارجية. إنما قد تكون أفكاراً من الشيطان يلقيها في العقل..وأفكار الشيطان خاطئة. ولكن مسئوليتك عنها. تكون بقدر استسلامك لها وتجاوبك معها.. مثل تلك الأفكار عليك أن تطردها من عقلك ولا تقبلها. مهما ألحت عليك.

إنها أفكار تطرق بابك. ولكن المهم هو أنك لا تفتح لها. أي لا تأخذ معها وتعطي. لأنه هنا تكون إرادتك قد بدأت أن تتفاعل مع الفكر. وحينئذ تكون قد أخطأت بالفكر.

***

واعلم أن هذا الفكر الخاطئ المحارب لك: حينما يأتيك يكون في أوله ضعيفاً. وفي الطبقة السطحية من عقلك.

ذلك لأنه فكر من خارجك. ومن السهل عليك أن تطرده فإن قبلته. وتعاملت معه. يدخل إلي العمق شيئاً فشيئاً.. فإن انفعلت به. يزداد تعمقه ويرتبط بإرادتك. فإن وصل إلي القلب. يختلط بمشاعرك. وحينئذ تصبح المحاربة من الداخل وليس من الخارج. ومن هنا تبدأ سطوة الفكر وصعوبة طرده.

حقاً. ما أسهل دخول الأفكار إلي العقل. وما أصعب خروجها!

ما أسهل أن تقبل فكر الخطية. وما أصعب أن تطرده!

فكر الشك مثلاً: من الجائز أن يدخل إلي العقل بسهولة. ومن الصعب أن يخرج.. وهكذا فكر الشهوة. وفكر الانتقام. وفكر العظمة والمجد الباطل. إذن احذر دخول الأفكار إليك.

ليس كل فكر يقرع باب عقلك. تفتح له وتقول: مرحباً بك!

وموعدنا في العدد المقبل أن نتحدث عن محاربات الفكر