الرغبات والخوف

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

13/1/2004

جريدة الجمهورية

 

 

الإنسان المتدين تكون رغبته الأولي والعظمي هي الله. وباقي رغباته داخلها. كما تكون رغباته سبباً في سعادته وسعادة غيره كما أنه يحذر من أن يعيش في جحيم الرغبات. أعني الرغبات المادية وسائر الرغبات الخاطئة التي تستعبد من يخضع لها.

بحث أحد الحكماء في أسباب السعادة والشقاء. فوصل إلي حقيقة عميقة في فهمها وهي:

إن سبب الشقاء هي وجود رغبة لم تتحقق..

***

فقد يعيش الإنسان فقيراً. ويكون سعيداً في نفس الوقت. ولكن إن دخلت في قلبه رغبة في الغني ولم تتحقق. حينئذ يتعب ويشقي.. وهكذا قد يكون الإنسان مريضاً. وأيضاً راضياً وشاكراً. يزوره الناس فيقابلهم في بشاشة وابتهاج. لايشقيه المرض. لكنه يبدأ في التعب إن دخلت في قلبه رعبة في الشفاء. أو في الشفاء السريع. ولم تتحقق. أو عرف من طبيعة المرض إنها لن تتحقق.

إن رحلة الرغبات داخل القلب تتعبه وتضنيه. وترهقه وتشقيه.

فهو يشتاق. ويشقي في اشتياقه. يريد ويجاهد في تعب لكي يصل. يعدّ العدة. ويلتمس الوسائل. يفكر ويقابل ويكتب ويشكو. ويروح ويجيء. ويسعي ويتعب في سعيه. ويشقي في سعيه وتعبه.

***

وقد ينتظر طويلاً.. متي تتحقق الرغبة. ويشقي في انتظاره. يصبر. وربما يضيق صبره. فيملّ ويضجر. ويدركه القلق حيناً. واليأس حيناً آخر.. أو قد يتعبه الخوف. الخوف من اليأس.. وقد يتعب من طياشة الفكر. ومن أحلام اليقظة. ومن أن رغباته هي مجرد آمال. مجرد قصور في الهواء. لايراها إلا إذا اغمض عينيه!! وقد ينتهي سعيه وتعبه إلي "لاشيء". ويحرم من رغبته التي يود تحقيقها. ويشقي بالحرمان.

وأخطر من هذا كله. إن آماله واغراضه قد تجنح به عن طريق الصواب.

فيتعلم بسببها الخداع. أو اللف والدوران. أو التزلف والتملق. أو الكذب أو الرياء. أو ما هو أبشع من هذا.. وصدق أحد الحكماء حينما قال: "لابد أن ينحدر المرء إلي النفاق. إذا كان في قلبه شيء يريد أن يخفيه"!

***

العجيب في هذه الرغبات المادية أو الشهوانية. أنها تشقي صاحبها حتي إن تحققت! ذلك لأنها لاتقف عند حد..

قد يعيش المرء في جحيم الرغبات زمناً. حتي إذا ما تحققت له رغبة. وفرح بها وقتاً ما. ما تلبث أن تقوده إلي رغبة أخري. أو إلي خطية ما في طريق الرغبات الذي لاينتهي.

فالرغبة عندما تتحقق. يلتذ بها. وتقوده اللذة إلي طلب المزيد. والوصول إلي هذا المزيد. قد يقوده إلي تعب جديد. ويكون كمن يشرب من ماء مالح. ومن يشرب من ذلك الماء. يعطش.. وفي عطشه يسعي مرة أخري إلي الماء ليشرب. وكلما شرب يزداد عطشاً وهذا دواليك: في حلقة مفرغة. لايستريح فيها ولايهدأ.

***

صاحب الرغبة يعيش في رعب: إما خوفاً من عدم تحقق رغبته. أو خوفاً من ضياعها. إن كانت قد تحققت!!

ومن القصص اللطيفة في هذا المجال. أن رجلاً فقيراً لايملك شيئاً علي الإطلاق. كان يعيش في منتهي السعادة: يضحك ملء فمه. ويغني من عمق قلبه. فالتقي به أحد الأمراء. واعجب به وحنّ عليه. فمنحه كيساً من الذهب. فأخذه ذلك الفقير إلي بيته. وبدأت الآمال والرغبات تدخل إلي قلبه. أية سعادة سيبنيها بهذا المال!

ثم لم يلبث الخوف أن ملك عليه. لئلا يسرق أحد الناس منه هذا الذهب. قبل أن يبني سعادته به! فقام وخبأ الكيس وجلس مفكراً. ثم قام وغيرّ المكان الذي أخفاه فيه. ثم حاول أن ينام ولم يستطع. وقام ليطمئن علي الذهب.. وفي تلك الليلة فقد سلامه. وأشقته الآمال والرغبات.. حتي قال لنفسه: أقوم وأعيد هذا الذهب إلي الأمير وأنام سعيداً كما كنت.

***

والإنسان قد يقاد من رغباته..

رغباته تمثل نقطة ضعف فيه. يقوده الناس بها..!

ما أشقي الإنسان الذي تكون رغباته في أيدي الناس: في حوزتهم. أو في سلطانهم. أو في إرادتهم!! بإمكانهم ان يحققوها له. وبإمكانهم أن يحرموه منها. لذلك يعيش للناس. تتوقف سعادته علي رضاهم..!

وشهوات الإنسان علي أنواع: هناك إنسان تقوده شهوة المال. وآخر تقوده شهوة الشهرة. وثالث تقوده شهوة الجسد. ورابع تقوده شهوة العظمة أو التسلط. وخامس تقوده شهوة الانتقام. وغير ذلك.. وكلها نقاط ضعف يمكن أن يقاد بها. أو يسقط فيها.

***

لذلك حسناً قال القديس اوغسطينوس:

"جلست علي قمة العالم. حينما أحسست في نفسي أني لا أشتهي شيئاً. ولا أخاف شيئاً".

حقاً إن الإنسان الذي لايشتهي شيئاً. لايمكن أن يخاف. إذ لايوجد

شيء يحرص عليه. أو يخشي عليه من الضياع. وما أجمل ما قاله أحد القديسين في ذلك "خير الناس من لا يبالي بالدنيا في يد من كانت".

ومن هنا كان الزهد أحد العوامل الأساسية في القضاء علي الخوف. فالإنسان الزاهد لا يخاف موتاً ولا سجناً ولا إيذاء. ولا حرماناً من أي شيء من مشتهيات العالم. ولا أي تهديد من أي نوع. لأنه قد زهد في كل شيء. ولم يعد يحرص علي شيء يخشي أن يضيع منه.

****

لهذا كان النسّاك يعيشون في سعادتهم. زاهدين لا تتعبهم الرغبات:

هؤلاء قد انتصروا علي الرغبات. وارتفعوا فوق مستواها. ولم تعد لهم سوي رغبة واحدة مقدسة. هي الحياة مع الله والتمتع به. وهذه لا يستطيع أحد من الناس أن يحرمهم منها.

إن سعادة الناسك تنبع من داخله. من قلبه. من إحساسه بوجود الله معه. أما الناس فإنهم ليسوا المصدر الذي يمنحه السعادة. وبالتالي فليست لهم قدرة علي أن يحرموه منها.

إنه قد يسعد بهم. من أجل محبته لهم. من أجل الحب الكامن في قلبه من جهتهم. وليس من أجل خير يعطونه إياه.

هذا الإنسان الذي تنبع سعادته من داخله. لا تصير سعادته رهناً للظروف الخارجية. ولا يتحكم فيها الناس

****

هناك أمثلة جميلة لأولئك الذين لم تكن لهم رغبات يحققها لهم الناس:

لعل في مقدمتهم مثال ديوجين الفيلسوف. ذلك الحكيم الذي كان يحبه الإسكندر الأكبر. وقد بلغ من فرط إعجابه به أنه قال:

"لو لم أكن الإسكندر. لتمنيت أن أكون ديوجين"

في إحدي المرات كان هذا الفيلسوف في صومعته. وجاء الامبراطور الإسكندر. وأطل عليه من صومعته وقال له "أي شيء تريديا ديوجين فأعطيك إياه؟ ولو كان نصف مملكتي!"

فأجابه ديوجين قائلاً في عمق "أريد ألا تمنع عني الشمس"!

وانصرف الإسكندر. وقد استصغر ذاته.. لم تكن كل مملكته تساوي شيئاً في قلب ديوجين..!

***

حقاً. أي شيء في العالم يمكن أن تتعلق به رغبات الروحيين؟!

لا شيء. فالعالم ليس فيه سوي المادة والماديات. ومشتهيات الجسد والنفس. أما هم فرغباتهم مركزة في الله وسمائه وفي عالم الروح. وليس في العالم شيء يشتهونه.

لو كان الذي يشهونه في هذه الأرض. لتحولت الأرض إلي سماء!

الروحيون أعلي من رغبات هذا العالم وأسمي. والعالم لا يعطيهم. بل بالحري يأخذ منهم. علي الأقل يأخذ بركتهم. ومن أجل بركتهم يرضي الله علي الأرض.

أما هم فليست سعادتهم في أن يتمتعوا بما في العالم من رغبات إنما سعادتهم في أن يملأوا العالم خيراً علي قدر طاقتهم.. إنهم نور للعالم يبدد ظلماته.

****

وقد تأملت في أحد هؤلاء الزاهدين المرتفعين عن مستوي الرغبات الأرضية. فناجيته ببعض أبيات منها:

كل ما حولك صمت وسكون               وهدوء يكشف السرّ المصونْ

هل تري العالم إلا تافهاً                     يشتهي المتعة فيه التافهون

كل ما فيه خيال ينمحي                    كل ما فيه سيغنى بعد حينْ

هل تري الآمال إلا مجمراً                            يتلظى بلظاه الآملونْ             

لست منهم هم جسوم بينما                       أنت روح فرّ من تلك السجون

****

ما أجمل أن يعيش الإنسان سعيداً بالله. يمكن أن تكون له رغبات. ولكن لا تستعبده الرغبات!

تكون الرغبات مفتاحاً في يده. ولا تكون أغلالاً في يديه

إن الإنسان الجاهل. أو الإنسان الخاطيء. أو الإنسان الضعيف:

تتحكم فيه شهواته. أما البار فيسيطر علي جميع رغباته. ولا يستلم إطلاقاً لأية شهوة خاطئة. ولا يجعل إرادته تخضع لأية رغبة ضد مشيئة الله.

فمثلاً قد يملك المال. ولكن لا يسمح لمحبة المال أن تملك عليه.

وهو لا ينتظر حتي تضغط عليه الشهوة الخاطئة. ثم بعد ذلك يقاومها. بل هو يتجنب هذه الشهوات وهي قادمة من بعيد.

إنه يسد أمام نفسه الطرق التي تصل منها هذه الشهوات. فيبعد عن جميع المثيرات والمعثرات. ويتجنب العوامل الخارجية التي تغرس الشهوات في النفس أياً كان نوعها.

***

ولأن الإنسان لا يمكنه أن يعيش بدون رغبات علي الاطلاق. لذلك علي الإنسان البار. أن يغذي روحه بالرغبات الفاضلة..

يقوّي قلبه بمحبة الله. ومحبة الفضيلة. وبمحبة الخير للناس. حتي تكون له حصانة داخلية. تصد عنه كل الحروب الخارجية وكل نوازع الشر سوي من الشيطان أو من الأشرار.

إن شهوة الخير أقوي من شهوة الشر. والرجل البار يصد شهوة بشهوة. يصد شهوة الشر بشهوة الروح التي هي شهوة الخير. وشهوة الروح أقوي إن كانت صادقة وعميقة وحقيقية. كما أن شهوة الروح تسندها المعونة الإلهية.

ذلك أن الإنسان البار في شهواته المقدسة القلبية. وفي محاربته للخطيئة. لا يقف وحده. بل يسنده الله بنعمته وبملائكته.

***

والرغبات الروحية لا تعرف خوفاً. والإنسان الروحي لا يخاف

إنه في محبته لله. وفي محبته للفضيلة. لا يخاف من كل قوي الشر المضادة. لأنه يشعر بقوة الله معه وبقوة تشفعات الملائكة فيه.

ويشعر باطمئنان داخلي سببه راحة الضمير وثقة القلب.

إنما الذي يخاف هو الذي يحاول أن يسلك في الفضيلة دون أن يحبها!

الذي قد يتبع الفضيلة لمجرد الخوف: الخوف من العقوبة. أو من نتائج الخطيئة. وقلبه من الداخل ليس أميناً من جهة الله. هذا. إذا مازال عنه عامل الخوف قد يسقط.. أو قد تنتشله نعمة الله. فتنقله من مرحلة الخوف إلي محبة الخير.

إننا نريد الشخص الذي إذا رفض الخطيئة. لا يندم علي رفضه إياها. ولا يشعر أنه قد خسر شيئاً يحبه. أو ضحي بشيء يشتهيه. من أجل الله.

بل نريد الإنسان الأمين في روحياته. الذي يشتهي الخير. وبسبب هذه الشهوة المقدسة يترك الشر ويكون سعيداً بتركه.