الذكاء عناصره ومعطلاته

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

2/3/2004

جريدة الجمهورية

 

 

 

عناصر الذكاء

نقابل في حياتنا كثيراً من الأذكياء في شتي فروع المجتمع وأنشطته: يتميز أحدهم بصفة معينة تدل علي ذكائه. ويتميز غيره بصفة أخري. وقد تجتمع كل صفات الذكاء في إنسان واحد. ينطبق عليه قول الشاعر:

وليس علي الله بمستصعب                                  أن يجمع العالمَ في واحدِ

فما هي صفات الإنسان الذكي؟ أو ما هي العناصر التي تتكون منها صفة الذكاء؟ وما نوعية عقلية أولئك الأذكياء؟

***

ہ أول صفة للإنسان الذكي هي الفهم:

وتشمل هذه الصفة: سرعة الفهم. وسلامة الفهم. وعمق الفهم.. فالإنسان الذكي يفهم بسرعة. لا يحتاج إلي شرح كثير لكي يفهم. ولا إلي وقت طويل لكي يدرك المقصود. يقال عنه بالعامية "يفهمها وهي طايره". ويبالغ البعض فيقول "ويفهمها قبل ما تطير".

كما أنه يفهم بطريقة سليمة. لا خطأ فيها ولا لبس. ويفهم الأمور بدقة وبعمق. يشمل كل التفاصيل. وكل النتائج.

ہ وهو في ذكائه وفهمه. إنسان لماّح.

يلمح الفكر المقصود. ولو من بعيد.. يستطيع أن يدرك ما يريده غيره. حتي دون أن يتكلم هذا الغير. فإنه يفهم ما يريده محدثه: من ملامح وجهه. من نظرات عينيه. ومن لهجة صوته. ومن حركاته. ومن نوعية كلماته. وإن قرأ. يستطيع أن يلمح ما وراء السطور. وما يوحي به أسلوب الكتابة.. بل يدرك أيضاً نفسية الكاتب وأهدافه.

***

ہ والإنسان الذكي يتميز أيضاً بأنه قوي الاستنتاج

يستطيع أن يستنتج. وبعمق. فيخرج بنتائج مما أمامه. وتكون نتائج سليمة. ويحوّل الجزئيات إلي كليات. ويستخرج من التفاصيل بعض القواعد. ويتوقع ما يمكن أن يحدث قبل أن يكون.

وفي ذلك يتميز بالفراسة. وينصح بناء علي ما يتنبأ به...

وهو في ذكائه وفراسته وفهمه. يمكن أن يدرك حقيقة شخصيات من يلتقي بهم. ومفاتيح شخصياتهم. والأسلوب الذي يتفاهم به معهم. بما يستعمله من تلك المفاتيح.

ہ والإنسان الذكي يتصف أيضا بسرعة البديهة

فهو يجيب بسرعة علي أي سؤال يوجه إليه. أو يعلّق تعليقاً سريعاً ولكن عميقاً فيما يعرض عليه من أمور...

***

ہ ومن عناصر الذكاء أيضاً قوة الذاكرة:

توجد ذاكرة تحتفظ بقدر كبير من المعلومات. وتستطيع وقت اللزوم أن تستخرج هذه المعلومات كاملة ومرتبة وسريعة. وتستخدمها الاستخدام المناسب. لتصل بها إلي النتيجة التي يريدها صاحبها بأسلوب مقنع.

إذن هناك ذاكرة جامعة. وذاكرة مرتبة. كما أن هناك ذاكرة فوتوغرافية تتذكر مثلاً معلومة موجودة في كتاب. في موضعها في صفحاته: فوق أو تحت.. علي اليمين أو الشمال. أو تتذكر الأحداث بصورة مطبوعة. كأنها أمامها.

وقد تحدث أحد الشعراء عن أهمية الذاكرة في حفظ ما في الكتب. وليس في جمع الكتب واقتنائها. فقال:

عليك بالحفظ دون الجمع في الكتب               ...       فإن للكتب آفات تغرّقها

النار تحرقها. والماء يغرقها                            ...       والفأر يخرقها. واللص يسرقها

ولا شك أن الشخص القوي الذاكرة. تساعده ذاكرته علي الذكاء. إذ لا يفوته شيء من تفاصيل الأمور التي يبحثها. بل تكون كلها واضحة أمامه بكل تفاصيلها. فيحكم حكماً سليماً دون أن ينسي شيئاً مما يؤثر علي حكمه.

***

ہ والإنسان الذكي يتميز أيضاً بدقة الملاحظة:

فهو لا يفوته شيء. بل يلاحظ كل شيء. ويتصرف بناءً علي ما يلاحظه. والمهم أن تكون الملاحظة سليمة.

فالخطيب أو الواعظ مثلاً. عليه أن يلاحظ: هل السامعون متجاوبون معه أم لا؟ أواضح عليهم أنهم منصتون في شغف. أم بدأ بعض منهم يملون. وينظرون إلي ساعاتهم؟! والزوجة في البيت عليها أيضاً أن تلاحظ ما هي الأصناف التي لا يحبها زوجها في طعامه؟ وما هي الأوقات التي تناسبه في الحديث عن مشكلة ما أو طلب معين.

إن الذكاء يقتضي مثل هذه الملاحظات. كما أن الإنسان الذكي عليه أن يلاحظ نفسه من جهة معاملاته: هل أصبح مثلاً حاد الطبع لا يحتمل نقاشاً. أو دخله روح كبرياء. فأصبح لا يحتمل معارضة.. وبناء علي هذه الملاحظة يعالج نفسه مما طرأ عليه. وبالتالي عليه أن يلاحظ ما هو الجديد الذي طرأ علي نفسيته أو علي صحته.

***

ہ من صفات الإنسان الذكي أيضا: قوة الإقناع:

فهو يستطيع أن يورد الحجج والبراهين التي تثبت وجهة نظره. في سلاسة وسهولة تقنع من يناقشه. وترد علي وجهة النظر المضادة. بهدوء دون أن يعلو صوته. ودون أن يخدش شعور من يناقشه.

ومن الناحية الايجابية. إذا تكلم في موضوع ما. تبدو أفكاره في تتابع وتسلسل عجيب. تبهر من يسمعه وتقنعه.

***

ہ والإنسان ينظر إلي كل الأمور من زوايا متعددة:

فلا يحصر ذهنه في زاوية واحدة. بل تكون له النظرة الشاملة التي تتسع لكل الاتجاهات. وتحتضن كل وجهات النظر. وهذا النوع من الناس. يصفونه بأنه Brood Mirded أي متسع الذهن.

إنه ذكي في حساباته. يعمل حساباً لكل صغيرة وكبيرة. وحساباً لفارق العقليات. وطريقة فهم الغير لما يقوله سواء كان فهماً صحيحاً أو خاطئاً. أي يضع في ذهنه كل التوقعات. وردود الفعل. والمفاجآت. التي تكون نتيجة لأقواله أو لتصرفاته.

إنه يذكرني بلاعب الشطرنج الذي في كل حركة يحركها. يعمل حساباً لتحركات الطرف الآخر الذي يلاعبه. وكيف يمكنه مقابلة ذلك. وهكذا يبدو كل منهما صامتاً. لأنه منشغل بما سوف يفعله. وبردود الفعل.

***

درجات وأنواع

الأذكياء ليسوا كلهم درجة واحدة. فمنهم الذكي والنابغ والعبقري. منهم شخص intelligent. وآخر Brilliant. وثالث Lyeniers. ومنهم اللبيب. والحكيم. حسب قول الشاعر:

إذا كنت في حاجة مرسلاً       ...       فأرسل حكيماً ولا توصهِ

وإن باب أمر عليك التوي          ...       فشاور لبيباً ولا تعصهِ

وكل إنسان يستطيع أن ينمي مستوي عقليته بتداريب للذكاء:

أي تداريب لاستخدام العقل وتنشيطه وتنمية قدراته. مثل تمارين في الحساب والجبر والهندسة. وتمارين علي حل المشكلات والألغاز والموضوعات التي تبدو معقدة.

***

ومما ينشط العقل أيضاً معاشرة الأذكياء والقراءة عنهم

كالقراءة في قصص شارلوك هولمز. وقصص أرسين لوبين وغيرهم. ممكن كانت تصادفهم تعقيدات وأمور غامضة ويصلون إلي حلها. كذلك معاشرة من أهم أكبر في السن والخبرة. وأكبر في العقلية. والاقتباس منهم. ويقول الشاعر:

ومن وعي التاريخ في صدره .... أضاف أعماراً إلي عمره

فيمكن بذلك أن يستفيد من قصص التاريخ ومن أحداثه في تنشيط فكره بمعرفة ما كان يحدث لغيره. وكيف كان يتصرف.

وهكذا تكون المعرفة وسيلة أخري لتنمية القدرات الفكرية. إن أحسن الإنسان استخدامها. باختيار المعرفة النافعة له. والمناسبة له.

علي أن بعض الأذكياء يكونون كذلك بالفطرة أو بالوراثة

أي أنهم قد وُلدوا هكذا أذكياء. دون أن يبذلوا في ذلك جهداً. وأمثال هؤلاء. غالباً ما يكون جميع أفراد أسرتهم أذكياء.

وقد يكون الذكاء إذن موهبة من الله. منحها لبعض من عبيده.

***

هناك فرق بين الذكاء. والمعرفة. والحكمة:

المعرفة تساعد علي الذكاء. ولكنها ليست شرطاً. لأنه يوجد أذكياء بين غير المتعلمين. كما أن الذكي غير المتعلم. له قدرة علي تلقي العلم. وإن لم يتعلم في المدارس. أو علي الأساتذة. أو من الكتب. يمكنه أن يتعلم من الطبيعة ومن الأحداث. وإن لم تكن له المعرفة. فله حب المعرفة.

والمهم هو أن يستخدم الإنسان الذكاء والمعرفة في الوصول عملياً إلي حسن التصرف. وهذا ما نسميه الحكمة.

فالذكاء خاص بالعقل. والحكمة خاصة بالتصرف

ولهذا فكل حكيم ذكي. ولكن ليس كل ذكي حكيماً!!

ذلك لأنه قد توجد موانع أو معطلات تمنع أو تعطل استخدام ذكائه!

فما هي إذن معطلات الذكاء التي تقف عائقاً دون استخدامه؟

***

معطلات الذكاء

هناك أمور عديدة تمنع الذكي من أن يكون حكيماً: أمور خاصة بنفسيته. أو طباعه. أو شهواته. أو ظروفه:

ہ فالإنسان الغضوب أو العصبي أو المندفع. لا يستطيع أن يكون حكيماً.

إن أعصابه توقف عقله عن التصرف مهما كان ذكياً لكي تتصرف هي!!

وهكذا يكون تصرفه تصرفاً عصبياً مندفعاً. بعيداً عن الحكمة والذكاء.

وقد يندم عليه. حينما تهدأ أعصابه. ويرجع إلي عقله.. ويبدأ الذكاء في التفكير بعيداً عن سيطرة الأعصاب. وهنا ننصح الإنسان الذكي. أن يستخدم ذكاءه في معالجة أعصابه. أو أن يتوقف عن التصرف إن وجد نفسه في حالة عصبية. وإن كان الاندفاع طبعاً فيه. عليه أن يعالج اندفاعه.

ہ كذلك الإنسان الحقود أو الحسود. أو الذي تملكه الغيرة:

فإنه يفقد الحكمة نتيجة لطغيان مشاعره عليه. مهما كان ذكياً!!

***

ہ وبالمثل الإنسان الشهواني. لا يسلك بحكمة مهما كان ذكياً!

1 الشهوة هي التي تقوده. وليس العقل. وكثيراً ما يرتكب أخطاء. لا يوافق عقله عليها.. وبالمثل من يقع تحت سيطرة عادة ضارة.

فالذي تسيطر عليه مثلاً عادة التدخين: يعرف بعقله أن التدخين يفقده صحته وماله. ويفقده حرية إرادته. كما أنه يضر الذين حوله.. ومع ذلك. فإنه يدخن. لأن العادة هي التي أوقفت الذكاء عنده. لكي تتولي هي قيادته.. وبالأكثر من يقعون في الإدمان الذي يدمر عقولهم.

***

ہ مما يعطل الذكاء أيضاً أن يكون الشخص سماعاً "بالعامية: وِدَني"

هذا الذي يقبل ما يصل إلي أذنيه بدون فحص. يقع في أخطاء لا تتفق مع الحكمة مهما كان ذكياً في أمور علمية أو عقلية. وينطبق عليه قول الشاعر:

أثّر البهتان فيهِ ...       وانطوي الزور عليهِ

ياله من ببغاء    ...       عقله في أذنيهِ

ہ كذلك قد لا يتصرف الذكي بحكمة بسبب قلة الوقت أو عدم تمكنه من الدراسة الكافية. أو ثقته بمعلومات تصل إليه من غيره ولا تكون صحيحة!! أو قد يكون الإنسان ذكياً. ولكنه قليل الخبرة. فيفقد الحكمة في التصرف. إذن لكي تتكامل أمامنا الصورة المثالية من جهة العقل والحكمة:

علينا أن نضيف إلي الذكاء: الخبرة. والمعرفة. والطباع السليمة غير المنحرفة.. وذلك لكي يصير الإنسان حكيماً.

***

ولا ننسي محبة الخير. لأن الذكي قد يستخدم ذكاءه في الشر. فيتصرف بطريقة ملتوية. ويسميها البعض حكمة في الشر.

ولا يسميها البعض ذكاء. بل دهاء وخبثاً.

لا شك أن الشيطان ذكي. ولكنه ذكاء يىستخدم في الشر. وكذلك أعوانه أذكياء. فكبار المجرمين والأشرار علي درجة عالية من الذكاء. ولكنه ذكاء منحرف. يدبرون مكائدهم بعمق في العقل والمكر. ويغطون عليها أيضا بدهاء شديد. حتي لا ينكشف ما يفعلون.

لذلك فالذكاء وحده لا يكفي الإنسان. لكي يكون شخصاً محترماً في المجتمع. إنما يجب أن يرتبط الذكاء أيضاً بالبر.