الكآبة وعلاجها Depression

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

7/12/2004

جريدة الجمهورية

 

 

أول علاج لك من كآبتك. هو أن توقن تماما من أعماق قلبك وفكرك. أن الكآبة ليست علاجا لمشاكلك

تحدث لك مشكلة. كما أن جميع الناس تحدث لهم مشاكل. فتسبب لك هذه المشكلة حزنا في قلبك أو ضيقا. وهذا أيضا يحدث لجميع الناس.. ولكنك أنت بالذات. تستمر معك الكآبة مدة أطول مما تستحق. حتي يلاحظ الناس أنها ليست كآبة طبيعية! ويحاولون أن يعزوك أو يخففوا عنك. ولكنك بإصرار شديد ترفض أن تتعزي. فيسأم الناس من الحديث معك ويتركونك. فتجلس في كآبة أكثر وفي انطواء..

***

وهنا أسألك: هل استفدت شيئا من كآبتك؟ هل عالجت مشكلتك وهل أراحتك نفسيا من الداخل. أم تعبت بالأكثر؟ وهل أراحتك من جهة علاقتك بالناس. أم تعقدت علاقاتك بالأكثر؟!

لا شك أنك خسرت بالكآبة أكثر مما كنت تتوقع..
وأصبحت كآبتك بسبب المشكلة. هي مشكلة أضخم من المشكلة التي اكتأبت

بسببها!! وبقيت المشكلة الأولي لم تُحل.. مع إضافة مشكلة الكآبة إليها. ومع ما ينتج عن ذلك من إنطواء. ومن سوء علاقة مع الناس. وخسارة الجو الهادئ الذي كنت تعيش فيه. كما أنك عرضت علي الناس نقصا فيك ما كانوا يعرفونه عنك.. وهو عجزك وعدم احتمالك للمشاكل. فلماذا كل هذا؟

***

 

 

 

كن واقعيا. وفكرّ في حل مشاكلك. ولا تركز علي الاكتئاب. وإن لم تجد حلا لمشكلتك. انتظر الرب.. أو احتمل وعش في واقعك.

وإن اكتأبت بحكم الطبيعة البشرية. لا تجعل هذه الكآبة تطول وتستمر. ولا تكشف نفسك هكذا أمام الناس. ولا تجعلهم ينظرون إليك في إشفاق. أو في يأس من تغيير حالتك.
حاول أن تكون أقوي من المشكلة. وإن لم تستطع. حولها إلي الله الذي هو أقوي من الكل. والذي كل شئ مستطاع عنده... وبعد ذلك انسها في يدي الله. ولاتعد تفكر فيها.

***

هناك مشاكل كثيرة. يمكن أن تحل بالايمان والتسليم. وبالصلاة

ولكن لا توجد مشكلة واحدة يمكن حلها بالكآبة إذن عليك أن تؤمن بأن الله موجود. ولابد أن يتدخل. وأنه ضابط الكل. يري كل شئ. ولا تفوته ملاحظة شئ. وهو يعرف متاعبك أكثر مما تعرفها أنت. ويشفق عليك أكثر مما تشفق علي نفسك..
ومادام الله يهتم بك. فلا تحمل أنت هموما علي كتفيك. اتركها إلي الله.

هناك مشاكل يمكنك حلها. وهناك مشاكل أخري حلّها في تركها. أو حلها في نسيانها. وربما تكون مشكلتك- التي تبدو لك بلا حلّ - هي من هذا النوع.

***

ولكن لعلك تقول: كيف أنسي؟

كيف أنسي المشكلة. وهي لاصقة بذهني أكثر من التصاق جلدي بلحمي؟ افكر فيها كل حين: في جلوسي وفي مشيّ. في وجودي وحدي. وفي وجودي مع الناس. لا أفكر إلا في مشكلتي. وإن قرأت. أسرح فيها. ولا أتحدث في موضوع سواها. هي بالنسبة لي كالنَفَس الداخل والخارج. أحسست أو لم أحسّ..!!

هنا. وأقدم لك حلاً عملياً وهو:

المشغولية

اشغل نفسك باستمرار. واهرب من هذا الفكر الكئيب

لابد أن تقتنع أن مداومة التفكير في المشكلة تضرك من كل ناحية: تضرك جسدياً وعصبياً ونفسياً. وترهقك. وتزيد المشكلة. وفي نفس الوقت لن تصل إلي حلّ. إذن اترك هذا التفكير المرَضي. وفي صراحة قل لنفسك : كفاني تعباً من هذا التفكير الذي لم يفدني شيئاً..

***

وإن لم تستطع. اشغل نفسك بأي شئ يبعد عنك الفكر المرهق.

ومن هنا كان العمل المستمر مفيداً للذين يشكون من الكآبة. إلي أن يتعبوا من العمل. فيناموا في راحة. وتستريح أعصابهم من إرهاق الفكر لها.. كما أن العمل يُشعر الإنسان بأنه قادرعلي إنتاج شئ. أو قادر علي تحمل مسئولية. فيريحه هذا نفسياً. كما تريحه ثمار عمله. وفي خلال ذلك يكون قد بَعُد عن الفكر..

***

غير أن البعض قد يرفضون العمل. أو يهربون منه. لكي يخلو عقلهم مع الفكر..!

الفكر المرضي أصبح - للأسف الشديد - يشكّل أهمية كبري في نفوسهم لا يستغنون عنها. فهم يريدون أن يفكروا في المشكلة. وأن يستمروا في هذه الدائرة المفرغة التي لا تصل إلي حلّ..

فإن قبلوا العمل. تكون هذه علامة صحية. تدل علي أنهم قبلوا الاستغناء عن الفكر - ولو قليلا - في فترة العمل. وهذا حسنى جداً. مجرد قبولهم العمل. أمر مفيد. حتي لو كان ذلك تغصباً.. وتزداد حالتهم تحسناً. كلما قبلوا العمل برضي. ووجدوا فيه متعةً

***

وأحياناً يكون رفضهم للعمل. بحجة أن أعصابهم مرهقة. وقدرتهم الجسدية لا تمكنهم من العمل..!

وهذه الحجة قد تكون حقيقية عند البعض إلي حدّ ما..وقد تكون وهمية عند البعض الآخر. أو يكون وراءها عامل نفسي.. مثل شخص كلما يُعرض عليه العمل. يشعر بإعياء جسدي مفاجئ. هو ردّ فعل لرغبته الداخلية في عدم العمل.

علي أية الحالات يكون العمل حسب الطاقة. وقد يكون أيضاً عن طريق التدرج. حسبما يقدر المكتئب. وحسبما يستجيب للعمل. ويحسن عرض أعمال عليه. يختار منها ما يشاء أو ما يناسبه..

فإن لم يقدر علي العمل اليدوي. هناك أنواع أنشطة. وألوان من التسلية والترفيهات والقراءة قد تشغله. وهناك علاج آخر هو الموسيقي.

***

 

 

 

الموسيقي كعلاج

لا شك أن هناك أنواعاً من الموسيقي لها تأثير قوي علي النفس. ويمكنها أن تريح وأن تهدّئ. وأن تُبعد عن الانسان جو الحزن والكآبة. وتنقله إلي أجواء أخري..

ويمكن اختيار قطع الموسيقي المفيدة التي لا تضر روحياً. وفي نفس الوقت يكون لها العمق والتأثير. والقدرة علي التفاعل مع المشاعر المتألمة. وفتح أبواب من الرجاء أمامها..
ولا أظن أن الإنسان المكتئب يرفض الموسيقي. كما أن الموسيقي ليس معناها الغناء. فهناك موسيقي عميقة لا يصاحبها غناء.. والمفروض طبعا البعد عن الموسيقي الحزينة التي قد تُبقي المكتئب في حزنه وانطوائه.

***

إن الموسيقي هي علاج للنفس من الداخل. علاج للأحاسيس والمشاعر. وقد تكون أكثر تأثيراً من النصائح والعظات في كثير من الأحيان. وربما تشبهها في بعض الأوقات تراتيل وألحان معينة.

علي أن البعض قد يلجأ إلي العلاج الكيميائي عن طريق العقاقير.

ولي ملاحظات علي هذا العلاج .مع مقارنته بالعلاج النفسي.ثم أيضا بالعلاج الروحي

***

العلاج بالعقاقير

العلاج بالعقاقير قد يكون مقبولا. حينما يكون المريض في حالة عصبية معينة. أو في حالة نفسية لا تقبل التفاهم ولا الحوار. أو في حالة تصميم شديد علي ما هو فيه..
فيعطونه العقاقير للتهدئة لتهدئ أعصابه. ويصبح في حالة تسمح بالعلاج النفسي.

كأن يكون هناك فكر يرهق المريض جداً. ويضغط علي أعصابه ونفسيته ضغطاً عنيفاً لا يحتمله. بل قد يطرد عنه النوم طرداً بسبب كثرة التفكير. ولذلك فهو في حالة ماسة إلي فترة من الراحة. تهدأ فيها أعصابه. وبالتالي تهدأ نفسيته. وهنا يعطونه العقاقير كمسكنات أحياناً. أو لكي ينام ويستريح من الفكر...

وهنا قد تبدو العقاقير ضرورة للمريض الهائج أو للمريض المرهق. أو للذي يرفض الاعتراف بأنه مريض..

نقول هذا مع اعترافنا بأضرار كثير من العقاقير وما تحدثه من أضرار جانبية Side effects . ولكن قد لا يجد الطبيب علاجاً غيرها في بعض الحالات الصعبة. ولكني أقول في صراحة:

لا يصح أن تكون العقاقير علاجاً دائماً. أو العلاج الوحيد. ولكن العلاج النفسي في موضوع الكآبة أفضل منها بكثير. حين يأتي موعده..

إن المريض قد يأخذ المهدئات أو المسكنات أو المنومات. لكي يستريح من الفكر الذي يتعبه. وقد يهدأ أو ينام. ثم يصحو أو يفيق. فيجد الفكر مازال أمامه. فيأخذ قدراً آخر من العقاقير. وتتكرر العملية.. وقد لا يأتي العقار بنتيجة. فتزداد الكمية المعطاة له. أويعطونه عقاراً آخر أو عقاراً أكثر تأثيراً. أو يُستبدل المسكن بمنوّم.

ومن كثرة المنومات قد يترهل جسمه. أو تضعف ذاكرته. أو يصبح في حالة "دروخة" مستمرة ويستمر الفكر المتعب معه.

***

وهنا أحب أن أقول حقيقة هامة وهي:

إن العقاقير ربما تكون لعلاج النتائج. وليس لعلاج الأسباب

والأسباب هي الأفكار والمشاعر التي سببت الكآبة. وأيضا أسباب هذه الأفكار والمشاعر. وأيضاً نوعية النفسية. ونوعية العقلية والتفكير.

ما علاقة العقاقير بكل هذا؟ وإن عالجت سبباً. ربما تتلف إلي جواره شيئاً آخر. وإن جعلت المريض ينسي فكره المرهق. ربما تؤثر علي ذاكرته بوجه عام!
إن أسباب الكآبة قد يصلح لها العلاج النفساني بأسلوب أعمق.

والمشكلة أن العلاج النفساني يحتاج إلي وقت وصبر..

ففي العلاج النفسي. يريد المريض أن يفرّغ كل ما في داخله. ويحكي ما يتعبه. وقد يستمر في ذلك بالساعات. والطبيب ليس لديه وقت. وبخاصة إذا تعوّد المريض الإطالة. بحكاية قصص لا تنتهي.. وهنا قد يسأم الطبيب. ولا يستمع للأكثر. فيتوقف العلاج النفسي.

***

ونحن لا نلوم الطبيب. فقد يكون له عذره. وبخاصة اذا كان كلام المريض متكرراً. يعيد فيه ما تعب الطبيب في سماعه والتعليق عليه. وقد يحتج الطبيب بأن تدليل المريض لا يفيده بل قد يضره. ويشجعه علي إطالة الجلسة. أو يؤدي إلي وجود دالة بينه وبين الطبيب. فيطلبه باستمرار. وفي أوقات عمله مع آخرين. وفي أوقات راحته.

***

لا شك أن العلاج النفساني ليس سهلا. ويحتاج إلي صبر واحتمال. كما يحتاج أيضاً إلي حكمة. وإلي معرفة بالنفس البشرية..

فقد يري الطبيب أن شكوك المريض التي تتعبه ليست سليمة. وأن ما يقدمه من أسباب لتعبه. هوكلام مبالغ فيه. و مجرد أوهام. بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً. ويشرح كل ذلك للشخص المكتئب. ومع ذلك يبقي مصرا علي فكره. بل ربما يشك أحياناً في الطبيب ذاته. وفي كفاءته أو إخلاصه!! إنه مرض..

لقد تحولت الكآبة من أفكار لها أسباب خارجية. إلي مرض.. وعلينا أن نبحث كل ذلك. لندخل في علاجه. بل لنقدم نوعاً آخر من العلاج هو العلاج الروحي.

وللبحث بقية...