الإثنينية

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

24/2/2004

جريدة الجمهورية

 

 

عندما خلق الله الإنسان. خلقه باراً طاهراً بسيطاً. لا يعرف إلا الخير فقط. ولما سقط الإنسان في الخطية. فقد بساطته. وبدأ يعرف الشر إلي جوار الخير. وعرف أنه عريان واستحي من عريه.

ومن ذلك الحين. وقع الإنسان بين شقي الرحي:

أعني بين الخير والشر. ودخل في الصراع الداخلي. بين هذا الخير والشر. أو بين الحلال والحرام. وما يليق وما لايليق.

***

الصراع

عاش الإنسان في صراع الإثنينية: أمامه الاثنان. أيهما يختار؟!

أمامه طريق الحياة وطريق الموت. طريق البر وطريق الرذيلة. أمامه البركة وكذلك اللعنة. طاعة الله أو عصيانه. أمامه إما ضبط النفس. أو الانسياق وراء شهوات النفس. ونهاية كل من الطريقين واضحة.. والإرادة البشرية حائرة بين الأمرين: أحيانا تخطيء. وأحياناً أخري تندم علي الخطأ.. أحياناً تتوب. وأحيانا ترجع إلي الخطيئة.

إنها الإثنينية التي تتأرجح فيها حياة الإنسان. بين علو وهبوط. أو بين مدّ وجزر. في حالة نفس لم تستقر بعد علي وضع ثابت. تتخلص به من هذا الصراع الداخلي.

***

كثيراً ما يكون الصراع بين روح الإنسان وجسده:

الجسد يشتهي ضد الروح. والروح تشتهي ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر. ويظل الإنسان مضطرباً في حياته. ومتقلباً كثيراً في تصرفاته. إلي أن يخضع الجسد للروح. ويسير الإثنان في طريق واحد. هو مشيئة الله. وحينئذ يتخلص الإثنان من الإثنينية التي تقلقه.

قد يكون الصراع بين الجسد والروح. في بدء حياة الإنسان. أعني في بدء جهاده من أجل حياة التوبة. فإن وصل إلي التوبة. ينتهي صراعه. أو يدخل في صراع آخر من أجل الثبات في التوبة. وعدم الوقوع في نكسة ترجعه إلي الصراع السابق بين الجسد والروح.

***

وقد يكون صراع الإثنينية: في الفكر والتصرف: في أي اتجاه يسير. والطرق أمامه متشعبة.

والفكر متحير: أي قرار يتخذ؟.. كقول أحد الأدباء في موقف مشابه: "كنت خلال ذلك أصارع نفسي وأجاهد. حتي كأنني إثنان في واحد: هذا يدفعني وذاك يمنعني..".

إنه صراع داخلي. ويحدث غالباً في مرحلة مصيرية من مراحل الحياة. أو في تقرير خطوة حاسمة يتوقف عليها أمر هام وخطير.

مرحلة الإثنينية في الفكر هذه. يدخل فيها مثلاً من يفكر جدياً في الهجرة: هل ذلك في منفعته؟ أم هل سيندم علي هذه الخطوة..؟

وقد يدخل في هذه المرحلة من انتهي من دراسته الثانوية. ويفكر في أية كلية جامعية سيلتحق. وتأثير ذلك علي مستقبل حياته..؟

ويدخل في الإثنينية أيضاً: من يفكر في زواج أو في طلاق..!

***

وقد يكون الصراع بين الضمير. والشهوة!

أو بين الرغبة والوسيلة إن كانت خاطئة!

صراع سببه تعلق القلب بشهوة. وتحقيقها يستلزم وسيلة لا يرضي عليها الضمير. ويدخل صاحبها في إثنينية: أيهما يطيع: الضمير أم الشهوة؟!

وهو صراع في هذا العالم فقط. الذي نوجد فيه بالجسد. ونختلط بالمادة. ونعرف الخطيئة ووسائلها. أما في العالم الآخر. في الأبدية حيث لا توجد الفرص ولا الوسائل. فسوف نعود إلي بساطتنا الأولي. ولا نعرف سوي الخير فقط. ولا توجد محاربة روحية تنتج عنها الإثنينية ولكن علي هذه الأرض. لا يزال الصراع قائماً.

***

إنه صراع الإنسان مع نفسه. حتي يصل إلي ضبط النفس..

صراع له مع رغباته وأفكاره. ومع حواسه وأحاسيسه.. وينتهي الصراع حينما يصير الإنسان واحداً. وليس جبهات داخلية تقاوم إحداها الأخري.. وكما قال أحد الآباء "أيها الإنسان: إذا اصطلح فيك العقل والجسد والروح. حينئذ تصطلح معك السماء والأرض".

علي أن هذا الصراع الداخلي. هو مرحلة للمبتدئين..

أو أنه مرحلة للذين لم يتحرروا بعد من الداخل.. فإن تحرروا. يكون منهجهم هو النمو في حياة البر. وليس الصراع بين الخير والشر.

وبالإضافة إلي الصراع في حالة الإثنينية. يوجد أيضاً عنصر الخوف.

***

الخوف

مادام الإنسان لم يتحرر من شهوات المادة والجسد. فلابد أن يقع في الخوف:

إنه يشتهي. ويخاف أن شهوته لا تتحقق. فإن تحققت. يخاف أنها لا تستمر. فإن استمرت. يخاف من نتائجها. وإن كانت خطيئة. فإنه يخاف أن تنكشف. ويخاف من العقوبة ومن الفضيحة. وإن استيقظ ضميره. يخاف من غضب الله. ويخاف من عدم قدرته علي التوبة. وإن تاب وترك الخطية. قد يخاف من إمكانية عودته إليها.

إن حالة الإثنينية ترتبط دائماً بالخوف. كما ترتبط بالشهوة.

ولذلك حينما تخلص منها القديس أوغسطينوس. قال عبارته المشهورة:

"جلست علي قمة العالم. حينما أحسست في نفسي: إنني لا أشتهي شيئاً. ولا أخاف شيئاً..".

***

الخوف مرتبط دائماً بالشهوة وبالخطية. ونقصد الخوف بمعناه العميق. وليس الخوف الصبياني من الظلام والأرواح.

فالإنسان الروحي لا يخاف أبداً. إنه يشعر بوجود الله معه يخلّصه ويحميه. ويرعاه ويقويه. هو أيضا لا يخاف الموت. لأنه يوقن أن الموت سوف يوصله إلي حياة أفضل. أما الخاطيء فيخاف. لأنه لا يضمن مصيره بعد الموت.

إن صار الإنسان واحداً. يتحد هذا الواحد بالعشرة روحياً مع الله وملائكته. أما إن كان بعيداً عن هذه العشرة. فإنه يخاف.

***

مادام هناك خوف. إذن لابد من وجود خطأ في الداخل

أو لابد من وجود ضعف معين. أو لون من الإثنينية:

الشهداء مثلاً لم يخافوا من الموت ولا من التهديد. لم يكن في قلب أحد منهم شيء من الإثنينية: كخوف الموت. مع الرغبة في الموت من أجل الدين أو الحق أو الوطن.. لا صراع. بل قلب واحد.

كان كل منهم بقلب واحد. وفكر واحد. يشتاق إلي الخروج من العالم والوصول إلي الله.

إن الإثنينية تقود إلي الصراع وإلي الخوف. وإلي أخطاء كثيرة..

***

أخطاء كثيرة:

الإثنينية تقود إلي الرياء:

فالإنسان المرائي عبارة عن إثنين: أمام نفسه صورة حقيقية. وأمام الناس صورة مزيفة. أمام الناس يلبس ملابس الأبرار والأطهار. وأمام نفسه عكس ذلك تماماً.. حينما يكون وحده يسلك بأعمال أو بأخطاء. أو بما لا يليق. وأمام الناس يحرص أن يكون محترساً ومدققاً في تصرفاته.

وبالإثنينية يكون إنسانه الداخلي غير إنسانه الخارجي:

ربما تكون كل أفكاره ومشاعره ونياته. غير ما يظهر للناس. أو أن الناس بسلوكه المرائي أمامهم من المحال أن يظنوا أن لها أفكاراً يبطنها غير ما يرونه فيه.. حقاً لو كشف الله كل أفكار الناس ومشاعرهم. كم تكون دهشة الكثيرين مما ينكشف لهم. وكم تكون خجلة الكثيرين مما ينكشف منهم!!

***

بالإثنينية قد يكون قلب الإنسان غير لسانه:

فهو يقول ما يظن أنه يعجب سامعه أو يرضيه. بينما يكون قلبه غير ذلك تماماً.. حتي في صلاته قد يقول في صلواته كلمات لا يعنيها! فهو يصلي بشفتيه. أما قلبه فبعيد عن الله.. وكأنه إثنان: بشفتيه يمجد الله ويسبحه ويطلب منه المغفرة. أما في حياته العملية. فإنه يرتكب الكثير من الخطايا التي يعصي فيها الله.

وبالتالي يكون في بيت الله بصورة. وخارج بيت الله بصورة أخري: هنا الإثنينية: في بيت الله. له صورة العابد. الراكع الساجد. المبتهل. وفي خارج بيت الله. ربما تكون له صورة مضادة لعبادته!

***

إنسان آخر تتدرج به الإثنينية إلي التملق. وإلي النفاق:

وبخاصة في معاملة الرؤساء والكبار وذوي الشأن. ومن له عندهم حاجة أو طلب.. وعلي سبيل المثل قد يكون قلبه كارهاً لرئيسه في العمل. وحاقداً عليه. ومع ذلك يكلمه بكلام المديح والملق. وقد يبالغ في ذلك!

أليس هذا لوناً من النفاق. صار فيه هذا الشخص اثنين: الإنسان الداخلي فيه يختلف عن الخارجي. بل يتناقض معه إلي أقصي حد؟!

متي يصير الإنسان واحداً. قلبه كلسانه؟!

لست أقصد أن يكون لسانه رديئاً كقلبه الرديء ويتساوي الإثنان في الخطأ!! كلا. بل يكون الإثنان واحداً في البراءة والنقاوة والطهر.

***

أقول هذا. لأن البعض باسم الصراحة يقعون في أخطاء عديدة

يقول الواحد منهم: أنا الذي في قلبي. علي لساني.. أقول للأعور إنه أعور في عينه!! ولا أبالي ولا أكذب.. ولماذا تجرح يا أخي شعور هذا الإنسان الأعور بكلماتك القاسية؟! وهل من اللائق أن تسيء إلي غيرك. لكي يكون قلبك واحداً مع لسانك؟!

أليس من الأفضل أن تصلح ما في قلبك. وتنقيه من العيب في سمعة الناس. ومن الحقد أو الكراهية التي تجعلك تري غيرك أعور..! وبتنقية داخلك. يصير لسانك واحداً مع قلبك..أو علي الأقل تصمت. فلا تتكلم بلسانك ما لا تعتقده في قلبك.. وعموماً في كل علاقتك إن لم تستطع أن تصلح خطيئة غيرك أو تلومه عليها. فعلي الأقل لا تتملقه أو تمدحه. وهكذا لا تكون اثنين: قلبك في جهة. ولسانك في جهة أخري.

***

وقد تظهر الإثنينية في معاملات الإنسان للآخرين:

فربما يكون في تعامله مع الغرباء في المجتمع. في منتهي الرقة واللطف والأدب. ويكون في بيته وسط أسرته في منتهي الشدة والعنف والقسوة! فهو اثنان مختلفان! في مكان ما في منتهي الجدية. وفي مكان آخر في منتهي الهزل والسخرية. دون أي وضع وسط!

وفي المعاملات لا يجوز لإنسان أن يكون ذا وجهين. أو يلعب علي حبلين!

فهو يعامل شخصاً برقة واحترام وبصورة إخلاص. ومن خلفه يدبر مكيدة له. أو يتكلم عليه بالسوء!.. أو يبدو أنه معه بكل القلب. فإذا انقلب الجو. انقلب هو أيضاً. وعلي رأي المثل "معاهم معاهم. عليهم عليهم"!

***

وقد يتعامل مع الناس بأسلوبين. ويزن بميزانين

صديق له يتصرف تصرفاً. فيحكم عليه بميزان. ونفس التصرف يصدر من شخص آخر. فيحكم عليه بميزان آخر. وإذا بالإثنينية تخرجه من نطاق الحق والعدل! وتخرجه عن مبدأ المساواة في التعامل. ويشك الناس في مصداقيته.

وقد يغضب من كلمة تقال له. ويبرر ذلك بأنه حساس لكرامته. بينما يقول هو نفس الكلمة لغيره. بغير حساسية نحو كرامة ذلك الغير..!

وقد نجد مثل هذا التناقض في تصرفات امرأة أب: تعامل أبناءها بكل عطف وحنو. بينما بمنتهي القسوة والظلم تعامل أبناء زوجها من زوجته الأولي.. ونتعجب كيف يجتمع الحنو والقسوة في قلب واحد.. إنها الإثنينية.

***

الإثنينية قد تقود أيضاً إلي التحايل:

فربما شخص يكون له غرض سليم. ويلجأ في سبيل تحقيقه إلي وسيلة خاطئة. وهكذا يجتمع فيه الخير والشر معاً في عمل واحد. والوسيلة الخاطئة تشوه صورة الخير الذي يريده.

عموماً الذي يعيش في الإثنينية لا يكون له ثبات:

فهو كثير التغيير. وقد يكون أيضاً كثير التردد. ويتحول من حال إلي حال بغير ثبات. وقد يفكر في أمر. ويجد في داخله فكراً ضده. وتتصارع أفكاره. وقد يتصارع ما تسمعه آذنه مع ما يفكر فيه عقله. ولا يعرف أيهما يصدّق وأيهما يتبع؟ أم يصدق بدلاً منها ما يقول قلبه ومشاعره!!