ردود الفعل

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

29/1/2012

جريدة الأهرام

 

 

إن كان ما يزرعه الإنسان إيَّاه يحصد، فإن هذا ينطبق أيضاً على كل تصرفات أي شخص بل على كل كلمة يقولها. ورد الفعل قد يكون خيراً أو شراً حسب موقعه. وهكذا في العلاقات البشرية: نرى أن المحبة تلد محبة. والعداوة قد تلد عداوة. واللطف يلد لُطفاً. بل أن ابتسامة في وجه طفل، تطبع ابتسامة أخرى على شفتيه.

والأدب والاحترام في معاملة الناس، من ردود فعله أدب واحترام للجهتين. أتذكَّر زميلاً لنا في الدراسة، كان لا يُكلِّم أحداً إلاَّ بإحترام شديد. وكانت النتيجة أن الكل يقابلونه بالمثل. وإن خرج أحد منهم عن اللائق، كان هذا الزميل يتصرَّف بأسلوب رصين ورزين. وبهذا يُجبر ذلك الآخر على تعديل سلوكه. أتذكَّر أيضاً ناظر مدرسة كان يُعامل المدرسين بجفاء، بأسلوب قانوني بحت. فكان رد الفعل هو كراهية جميع المدرسين له. وقد سألني مرَّة: لماذا يكرهني المدرسون؟ هل أنا خرجت عن القانون في معاملة أحد منهم؟! فأجبته: مشكلتك إنك تُعاملهم بالقانون وليس بالمحبة. بينما الناس لا يلجأون إلى القانون إلاَّ إذا زالت المحبة من بينهم. ويقول المثل: " إذا تراضى الخصمان استراح القاضي ".

حتى الحََزم يولِّد الانضباط. بينما التَّسيُّب يولِّد الفوضى. ولكن القسوة في الحَزم تولِّد الكراهية أو النفور. لذلك ينبغي أن يكون الإنسان حكيماً في حَزمِهِ. لا يتطرَّف فيه إلى القسوة أو الشدة الزائدة عن الحد. وأتذكَّر أنني قُلت في تأبين أستاذنا الروحي حبيب جرجس سنة 1951:

 

يا قوياً ليس في طبعه عُنف
يا حكيماً أدَّب الناس وفي
لك أسلوب نزيه طاهرٌ

***

***

***

ووديعاً ليس في ذاته ضعفُ
زجره حُبٌ وفي صوته عطفُ
ولسان أبيض الألفاظ عف

 

لذلك ينبغي على الإنسان في كل كلمة يقولها، أو يُفكِّر في ردود فعلها. ولذا يجب عليه أن يتحاشى الألفاظ القاسية، وعبارات التهديد وعبارات التَّهكُّم. وبالذات في معاملة الأطفال، يجب أن تكون صادقاً فيما تقوله. وأن تُوفِي بكل وعد تعده. ولا تهز المثاليات التي في ذهن الطفل بأخطائك في الكلام. بل في حياتك الخاصة حاول أن تنتقي ألفاظاًَ وتزنها بميزان دقيق.

وكُن رقيقاً. فالرقة لها رد فعل عميق فيمَن يتعامل معها. أحياناً يكون الرجل رقيقاً جداً في معاملته لخطيبته. فإذا ما تزوجا، يظن ـ للأسف الشديد ـ أن الرقة هى لون من الكُلفة، بينما قد زالت الكُلفة بينهما بالزواج! وهذا خطأ شديد. إذن احتفظ باحترامك لزوجتك، وإستخدم الرقة واللطف في معاملتها، بل والاحترام أيضاً. وسيكون رد الفعل لذلك طيباً جداً في نفسيتها. أتذكَّر مرَّة وأنا أسقف للتعليم، أن زارني أستاذ من جامعة كمبريدچ ومعه زوجته. فكان يجعلها تتقدمه باستمرار. وكان يتحدث عنها باحترام. ولا يذكر اسمها مجرداً، وإنما معه لقبها. وكانت هى تحترمه بالمثل.

وأعرف شخصاً كان يتخاطب مع أبنائه أيضاً باحترام. ولا يستخدم مع أي واحد منهم كلمة جارحة مهما حدث. وكان أطفاله يحبونه، إذ أنه كان يُشعِر كل منهم بقيمة شخصيته وبتوقيره لمواهبهم.

كذلك بالنسبة لرئيس أي عمل في معاملته لمرؤوسيه، يمكنه أن يوجِّهه ويشرح له أخطاءه، ولكن بأسلوب غير مُهين وكل إنسان له مشاعره التي لا يقبل أن تُهان.

لذلك إدرس نفسيات الناس وعاملهم بما يناسبهم. فالزوجة أحياناً تطلب من زوجها طلباً، وتظل تُلِح عليه إلحاحاً. وتُكرِّر الإلحاح حتى يُسبِّب له ذلك شيئاً من التَّبرُّم والضجر. وربما لا يحتمل المزيد من الإنفعال، فيرفض ويرد بكلمة شديدة. فإذا عرفتِ أن هذا هو رد الفعل عند زوجك، احترسي إذن من الضغط على أعصابه بإلحاح. ويمكن أن تُعيدي الطلب في مناسبة أخرى، يكون فيها الزوج أكثر هدوءً وأكثر استجابة.

ونفس الكلام يُقال عن مناقشة في وقت يكون فيها الشخص مشغولاً ومرهقاً أو غير مُتفرِّغ للجدل. ويكون رد الفعل عنده هو عدم القبول أو الغضب عن مَن يجادله.

وعلى كل شخص أن يحسب ردود فعل إغاظته لغيره. وقد تكون الإغاظة بكلمات مهينة، أو ببرود مثير، أو برفض ليست له مبرِّرات، أو بتهكُّم لاذع، أو بغير ذلك.

والكتاب يقول: " لا تغيظوا أولادكم لئلا يفشلوا ".

وأذكر أيضاً بعض الشيء عن العطاء وردود فعله: لا شكَّ أن العطاء وردود فعله المحبة، ورُبَّما الدُّعاء أيضاً. بما في ذلك العطاء المعنوي: كإبتسامة حُب، أو كلمة تشجيع، أو كلمة مواساة، أو كلمة نصيحة أو بركة ... كل ذلك له تأثيره وردود فعله.

بينما البُخل وعدم العطاء، قد تكون من نتائجه أضراراً كثيرة.

يتحدَّث البعض عن الفتيات الجانحات. وكثيراً ما تُلام الفتاة التي تفسد أخلاقها، وتستجيب لإغراء أحد الشبان وتخطئ معه، أو تهرب من بيتها، أو ترتد عن دينها ... وقد يكون ما تفعله هذه الفتاة هو رد فعل للمعاملة الصعبة التي تلاقيها في منزل الأسرة. حيث لا تجد حناناً ولا حُبَّاً، والقسوة في المعاملة، أو انتهاراً أو كلاماً جارحاً. فتلجأ إلى طلب الحنان من خارج البيت. وإن وجدت ذلك الحنان تُسلِّم له ذاتها وتسقط.

يُشبه هذا الأمر إلى حدٍّ ما عدم اهتمامنا بالفقراء وسد احتياجاتهم، بل أكثر من ذلك سوء معاملة مَن يحتاجون إلى العون المادي، واتهام بعضهم بالكذب والاحتيال ... فيضطر بعضهم ـ ردود الفعل ـ أن ينحرف في الحصول على المعونة.

آخر نقطة هى إهمال الإنسان لنفسه روحياً، وقد يقضي فترة طويلة بعيداً عن الصلاة والتأمُّل وقراءة الكُتب الروحية دون أن يفتقدهم الخدام في بيت اللَّه. فيظل هكذا إلى أن يفتقده الشيطان فيجده فريسة سهلة بلا مقاومة.