الشائعات

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

28/8/2011

جريدة الأهرام

 

 

تحدَّثنا في المقال الماضي عن الضمير وما يؤثِّر عليه. ولا شكَّ أن الضمير قد تؤثِّر عليه أيضاً الشائعات إذا قَبِلَها أو صدَّقها. وهنا أذكر عبارة قالها أحد العُقلاء وهى: " إذا أردت أن تحرق إحدى المدن، يكفي أن تلقي فيها شائعة، وتتركها تشتعل وتنتشر.

ونوِد في هذا المقال أن نتحدَّث عن الشائعات من جهة: مصدر الشائعة أو مؤلِّفها ـ وأيضاً ناقل الشائعة أو ناشرها ـ ثم قابل الشائعة أو مُصدِّقها ـ وفي كل ذلك لا ننسى هدف الشائعة أي الغرض من تأليفها ...

إن الشائعة ـ في موضوعها ـ هى خبر كاذب، وفي نفس الوقت، هو خبر مؤثِّر ومُثير. وبقدر إثارته، يكون تأثيره، ويكون إنتشاره. والشائعات على أنواع يختلف غرضها:

فهناك نوع طفولي من شخص لا يهدف من إلقاء الشائعة سوى أن يُحدِث ضجيجاً يتسلَّى به ويتفرَّج عليه. ويرى كيف أن المجتمع قد هاج وماج، وارتفع فيه الصخب، وتعدَّدت الأقاويل... وكل ذلك من صُنع يديه هو، مصدر الشائعة! وكأنه في موقف بطولي، إستطاع أن يلعب بمشاعر المجتمع ولو إلى حين بما ألقاه من شائعة! هذا النوع من الناس يهوى الإثارة والفوضى، ويفرح بها، ويفتخر ـ ولو داخل نفسه ـ بأنه قد عمل عملاً يُثبت به شخصيته!!

وهناك نوع آخر من صانعي الشائعات، له خطورته: وهو الذي يهدف إلى إحداث فتنة طائفية، بما يؤلِّفه ويتحدَّث عنه من أخبار مثيرة تحدث مثلاً خلافاً بين المسلمين والمسيحيين. وربما يؤدي الأمر إلى صراع أو قتال، تكون من نتائجه بعض الضحايا. ويضيع الهدوء والسلام من المكان. ويتحدَّث الناس عن مشكلة قد حدثت! ويتدخل العقلاء لفض الإشكال! وإذا هى مجرد شائعة لم تكن تستدعي كل ما حدث. وربما ملقي الشائعة لم يكن يتوقع كل ما حدث، أو كان يقصد ذلك، وفي قلبه ما فيه!

وأحياناً يكون الهدف من الشائعة هو إحداث أنواع من الفضائح سواء كانت أخلاقية أو مالية أو نفسية. والغريب أن من يصدر هذه الشائعة، يفتخر بأنه يقولها أو ينشرها، بل يفتخر بالأكثر بأنه ينفرد بذلك! وأحياناً نقرأ في بعض الصحف عنواناً ضخماً في الصفحة الأولى هو: "إنفراد: فضيحة بجلاجل"... وطبعاً يريد الكاتب أن يثبت أنها حقيقة ثابتة، وليست مجرد شائعة. وربما مَن تمسه هذه الفضيحة يستطيع أن يرد على كل ما نشر لو أتيح له ذلك!

نقطة أخرى وهى كثرة الشائعات في المحيط السياسي: في علاقات الدول ببعضها البعض. وفي الأخبار المتعلقة بكثير من الكبار ومن الوزراء السابقين: هذا هرب إلى هنا، وذاك إلى هناك. وهذا يعمل على تغيير جنسيته إلى هذه الدولة أو إلى تلك. وأخبار متباينة حول وفاة البعض، وهو ما يزال حياً! وشائعات عن اعتقال البعض أو عدم اعتقاله... وما تورده قناة فضائية معينة، عكس ما يرد في قناة فضائية أخرى، أو يختلف عنها في تفاصيل معينة. والمشاهد حائر أين هى الحقيقة؟ وأين هى الشائعة؟ كثير من الشائعات الأخرى عن بعض رؤساء الدول، وعن أخبار تتصل بالمظاهرات وبالقتل، وعن الموقف الدولي الدقيق من كل ذلك... أنه جو من الغموض في مجالات عديدة. يجعل العقل يتساءل هل كل ما يصل إلينا حقائق؟ أم بعض منه شائعات؟

هناك شائعات أخرى كثيرة تتصل بأخبار الرياضة أو بأخبار المحيط الفني من جهة الممثلين والممثلات، وهل سيتم التصريح بهذه الرواية أم لا يتم؟ كذلك الاحتجاجات حول بعض الأفلام أو مناظر فيها... وأيضاً شائعات معينة من جهة بعض مشاهير لاعبي كرة القدم وأخبارهم، وما هو موقفهم الآن؟... أمور كلها محيرة...

أمور أخرى تدور حولها بعض الشائعات، تتعلق بالزواج والطلاق، والزواج مرة أخرى. وآراء يذكرها بعض الكتاب من غير المتخصصين في هذا الموضوع، تسير بلبلة أحياناً بين الناس: هل ما يقوله هؤلاء شائعة لمجرد نشر فكر شخصي!

ننتقل إلى نقطة أخرى خاصة بنقل الشائعات أو نشرها وترويجها. إن مؤلف الشائعة لن تكون له أية أهمية كبرى، إن لم يجد من ينقلها عنه وينشرها... إن كانت الشائعة لوناً من التضليل الفكري يُدان عليه مَن يؤلِّفه، فإن ناقل هذا التضليل ربما يكون أكثر وقوعاً في الإدانة.

ويوجد كثير من الناس، هوايتهم هى نقل الكلام. لا يستطيعون مطلقاً أن يصمتوا إن عرفوا شيئاً، بل لابد أن ينقلوه من فم إلى أُذن .. يسمونهم بلغة المُزاح ( رويتر ).

وإن كانت بعض المشاكل تتسبَّب أحياناً من نقل الكلام، فإن أخفها ضرراً من ينقلون الكلام كما هو. كما يفعل جهاز التسجيل الأمين الصادق، الذي ينقل الكلام كما قيل تماماً. إنما تأخذ المشكلة وضعاً أخطر بسبب الذي ينقل الكلام بعد أن يخلطه برأيه الخاص واستنتاجاته وتصوراته وغرضه الخاص. وهنا يُقدِّم شائعة بصورة معيَّنة... ويتطوَّر الأمر في تعقيد الشائعة، حينما يسمعها شخص آخر، ويضيف عليها ما يشاء، ثم يُقدِّم كل ذلك كأنه حقيقة!! وهكذا تتعقَّد الشائعات في تطورها.

النقطة الأخيرة هنا حول مَن يصدقون كل ما يصل إليهم من شائعات ... هؤلاء الذين ينطبق عليهم قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

 

قد صادفوا أذناً صغواء لينة

...

فأسمعوها الذي لم يُسمعوا أحدا

 

وما أجمل قوله عن مثل الذي يقبل الشائعات ويصدقها:

 

أثّر البهتان فيه
يا له من ببغاءٍ

...

...

وانطوى الزورُ عليه
عقله في أذنيه

 

لذلك يا أخي القارئ، نصيحتي لك: لا تصدق كل ما يُقال أو كل ما يُنشر. فنحن لسنا في عالم من الملائكة، كلامهم صدق مطلق. إنما نحن نعيش وسط أجواء من الناس، يختلفون في مدى تمسكهم بالحق. فالحكمة إذن تقتضي أن تُدقِّق وتحقق، قبل أن تصدق. وبهذا يمكن أن تتقي شر الشائعات. وقاك اللَّه منها...