الضمير وما يؤثِّر عليه

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

21/8/2011

جريدة الأهرام

 

 

هل يصح أن نقول: " على كل إنسان أن يتصرَّف حسب ضميره؟ ". كلا. إن هذه العبارة لا تصح إلاَّ لو كان ضميره ضميراً صالحاً. ذلك لأن الضمائر تختلف في مدى صلاحيتها.

فهناك ضمير صالح، يزن الأمور بطريقة دقيقة، كميزان الصيدلي: إن زاد شيئاً يضر، وإن قلَّ شيئاً يضر ... وهناك ضمير واسع، يتسع لكل خطأ ويجد له مُبرِّراً! وضمير آخر موسوس، يظن الخطأ حيث لا يوجد خطأ، أو يُكبِّر ويُضخِّم من قيمة الأخطاء.

فالضمير إذن ليس معصوماً. من الممكن أن يخطئ ـ كما سنرى ـ ولهذا تختلف ضمائر الناس في الحُكم على موضوع واحد. كما يختلف حُكم الضمير من وقت إلى وقت حسب الظروف!

إنَّ الضمير هبة من اللَّه للإنسان، يدعوه إلى الخير، ويمنعه عن الشر، ولكنه ليس هذا باستمرار. وإنه أحياناً يكون قوياً مع البعض، وضعيفاً مع غيرهم. أحياناً يعمل وأحياناً لا يعمل. أو قد يكون ضميراً مستتراً أو غائباً أو مختلاً في موازينه!!

وسنضرب أمثلة للضمير المنحرف: أب يحثه ضميره على قتل ابنته التي حملت سفاحاً، بحجة غسل عار الأسرة، وبدون أن يترك لهذه المسكينة فرصة للتوبة. بل إن ضميره يوبِّخه إن لم يقتلها!

ومثال آخر: ابن يدعوه ضميره أن يقتل قاتل أبيه، ويوبِّخه إن لم يأخذ بالثأر منه!

أو حماة تتدخَّل لحماية ابنها أو ابنتها، فتخرب الأسرة الصغيرة باسم الضمير، أو أم تتستَّر على أخطاء ابنها لحمايته من عقوبة أبيه، ويُساعدها ضميرها على ذلك، حتى لو كذبت!

أو طبيب يكتب شهادة مرضية كاذبة لمنفعة أحد الأشخاص، ولا يرى في ذلك عيباً! أو يقوم بعملية إجهاض لفتاة لسترها! أو تلميذ يُغشِّش زميله في الامتحان. ويدعو ضميره إلى ذلك باسم المحبة وإنقاذه من الرسوب، أو يُهدِّد مراقباً بالقتل!!

وقديماً كان المصريون يلقون فتاة في النيل، بمناسبة وفاء النيل، بدافع من ضمائرهم! وكان العرب في الجاهلية يقومون بوأد البنات! وكان الوثنيون بحكم ضمائرهم يُبخِّرون للأصنـام.

كذلك من انحراف الضمير، إنسان يكون له ضميران: بأحدهما يحكم على نفسه بمنتهى التساهل. وبالضمير الآخر يحكم على غيره بمُنتهى التشدد. وذلك في الموضوع الواحد!

أمَّأ عمَّا يتأثر به الضمير، فإن العقائد والتقاليد تؤثِّر عليه، وأيضاً الرغبة والشهوة والعواطف. وتؤثر عليه أيضاً المعرفة أو الجهل، وتؤثر عليه الإرادة سلباً أو إيجاباً، ويؤثر عليه الجو المحيط به، والقيادة التى يخضع لها!!

ومن أمثلة خضوع الضمير للرغبات والعواطف: إنسان يحب قريباً أو صديقاً فيُدافع عن كل تصرفاته مهما كانت خاطئة! وضميره يُسمِّي ذلك وفاءً وإخلاصاً. وضميره يوبِّخه إن لم يُدافع. وإن ثبت خطأ ذلك الصديق، يلتمس له العُذر! ناسياً في كل ذلك أن " مبرئ المذنب، ومُذنِّب البريء، كلاهما مكرهة للرب ". لأن كليهما ضد الحق وضد العدل ... ومثل هذا الشخص قد يُبالغ في مدح صديقه كذباً، وضميره لا يُبالي بهذا الكذب، بل يُبرِّره. كما يكذب أيضاً، لإنقاذه من ورطة وقع فيها!

الضمير أيضاً يتأثر بالمعرفة ومقدارها: لأنه حسبما يعرف الإنسان، هكذا ينقاد ضميره. والذي يعرف أكثر، يُطالب بأكثر. وهنا قد يقول البعض: " إذن من الخير أن الإنسان لا يعرف أكثر حتى لا يُطالب بأكثر! "، وهنا يرد القديس أوغسطينوس على هذا الأمر فيقول: هناك فرق كبير بين عدم المعرفة ورفض المعرفة. والذي يرفض المعرفة، فإنه بلا شكَّ يُدان على رفضه.

إن الإنسان في جهله، يُمكن أن يضله ضميره. وقد قال اللَّه في العهد القديم: " هلك شعبي من عدم المعرفة ". ومن جهة الجهل، قيل أيضاً: " هناك طُرق تبدو للإنسان مستقيمة وعاقبتها طُرق الموت ". إن الخطيئة مهما جهلها الإنسان. وكسر الإنسان لوصية اللَّه، هو كسر، مهما اعتذر بالجهل.

ولذلك أرسل لك اللَّه الأنبياء والرُّسُل والمُعلِّمين، لكي يقودوا البشر إلى معرفة الحق، لأن الضمير وحده غير كافٍ، وأيضاً غير مؤتمن في صحة قيادته. ومعروف أن المعرفة تؤثِّر على الإنسان، سواء كانت صالحة أو خاطئة.

لذلك يا أخي القارئ، راجع مصادر معرفتك، سواء كانت من الصُّحُف أو من الإعلام، أو من كتب أو نبذات، أو من الكومبيوتر أو الفيس بوك، أو من وعاظ أو فلسفات، أو من مناهج معرفة أيَّاً كانت ... أو من مُرشد. وتأكد من صوابها. فاللَّه قد وبَّخ الناس في العهد القديم قائلاً: " مرشدوك مضلون ... ".

إننا نحتاج حقاً إلى وحدة في التعليم وفي المعرفة. لأننا كثيراً ما نرى بعض الأشخاص مُجرَّد صورة لِمَن يرشدهم سواء في الفكر، أو حتى في الصوت والحركة. يتصرَّفون كما يتصرَّف!

نقطة أخرى نطرقها وهى العلاقة بين الضمير والإرادة: الضمير هو مُجرَّد صوت يوجِّه الإرادة إلى ما يجب أن تفعله. ولكنه لا يرغمها. إنه مثل إشارات المرور توجِّه سائق العربة إلى ما يجب أن يفعله: يقف أو يستمر في السير. والسائق حُر أن يطيع الإشارة أو يكسرها ويعاقب بغرامة.

ولذلك قيل حتى عن الضمير الصالح إنه قاضٍ عادل، ولكنه ضعيف! وضعفه يقف ضد تنفيذ أحكامه! لأنه يحكم، أمَّا التنفيذ فهو في يد الإرادة.

والإرادة الشريرة قد تعمل على إسكات الضمير، لكي تكون لها السيطرة، وتستريح من إرشاده ومن توبيخه، وتستريح نفسياً! وقد تشغله بأمور كثيرة حتى لا يراقب ولا يحاسب ولا يُبكِّت! أو لا تطيعه فييأس ويسكت. ولا يجد فائدة من التَّدخُّل، فيبعد، ويتعود الابتعاد!!

عموماً إذا فشل الضمير، قد تتدخل نعمة اللَّه، لتنقذ الإنسان من سيطرة الإرادة الشريرة، وتقوده إلى التوبة.