أنواع من الذين

لا يتحكمون في أنفسهم

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

16/10/2011

جريدة الأهرام

 

 

بسبب الحزن المفرط:

مثال ذلك ام فقدت وحيدها. فهى تبكى وتقرع صدرها أحياناً، وتصرخ. متذكرة علاقتها بهذا الأبن منذ أن كان طفلاً وإلى أن مات. وهى حزينة لا تستطيع أن تتحكم في صراخها أو في دموعها.

مثال آخر فتاة فقدت خطيبها. وقد ذهبت إلى المستشفي وتراه ميتاً. فأمسكت يده بيدها وهو ميت وترفض أن تترك يده. وهى تبكى بدموع غزيرة، شاعرة أنها قد فقدت الحب، وأنها فقدت القلب الذى كان يسعدها، وفقدت المستقبل السعيد الذى كانت تحلم به مع هذا الخطيب. إنها لا تستطيع أن تتحكم في مشاعرها، لأن موت خطيبها كان أكبر بكثير من تحملها.

مثال ثالث هو اسرة فقدت عائلها. وأصبحت تشعر بالضياع. وترى نفسها أمام مستقبل غامض لا تعرف كيف تتصرف فيه. فهى ما عادت تقدر أن تتحكم في بكائها أو حزنها أو الأفكار الصعبة التى تجول في خاطرها.

كل هذه الحالات قد حدثت فعلاً أمامي. ورأينا كيف أن أصحابها لم يستطيعوا التحكم في مشاعرهم.

أيضاً في حالات الغضب الشديد، والثورة الداخلية الجامحة. إما بسبب أحداث وقعت عليهم، وأضاعت حقوقهم أو كرامتهم. هؤلاء قد لا يستطيعون أن يتحكموا في أعصابهم الملتهبة، ولا أن يتحكموا في تصرفاتهم وأقوالهم. وقد يصيحون ويثورون. وربما في ثورتهم يتلفظون بكلمات لا تليق. هذه الكلمات قد تثير غيرهم. وهنا توجد عدوي الإثارة: من الغضب الثائر، ومن الذى اثاره هذا الغضب. كل إولئك لا يستطيعون التحكم في مشاعرهم.

أيضاً في حالات الذين فقدوا الحرية. مثال ذلك بعض الذين تم القاؤهم في السجون، أياً كانت أسباب ذلك. هم أيضاً قد لا يتحكمون في حالتهم النفسية أو العصبية. والبعض منهم قد يعصف بهم الحزن على ما وصل إليه. والبعض قد لا يستطيع أن يمنع البكاء أو الصراخ، أو أن يصيح صارخاً من ظلم قد لحق به. ويقول أنا برئ! والبعض قد يدركه اليأس، وتفكير الوسواس. ولا يستطيع أن يتحكم في شئ من هذا. فهو يتساءل فيما بينه وبين نفسه: ما هو مستقبلى؟ وما مصيرى؟ وماذا ينتظرنى من أحكام؟ فلينتظرنى حبس مشدد؟ أم سجن مدى الحياة؟ أم أعدام؟... وماذا أيضاً عن اسرتي واقربائي واحبائي الذين حرمت منهم؟ وهل هم أيضاً سيتعرضون للمساءلة أو القضاء؟ هذا السجين قد لا يستطيع أن يتحكم في مشاعره أو في أفكاره. وقد يفكر أحياناً بصوت عالِِ ويسمعونه!

نوع آخر تشغله فكرة تستولى على عقله وعلى تفكيره وربما يكون آسير لهذا وفي حماسه لتلك الفكرة، لا يستطيع أن يمنع عقله من التفكير في شئ آخر. هذا أيضاً لا يتحكم في عقله.

هناك أيضاً حالة شخص قد يصاب بكارثة. وفيها يضيع كل ماله ومدخراته... ربما لأنه وقع في حالة نصب، أو أن شريكاً له كان يثق به. ولكن هذا الشريك خانه واستولى على ماله وهرب إلى حيث لا يدرى. وهكذا يشعر مثل هذا الشخص أن حياته قد تحولت إلى الضياع. وفي هذا الضياع قد لا يستطيع أن يتحكم في أعصابه ولا في عقله. وقد يضطر إلى الاستدانة. وللأسف قد يكتب على نفسه ايصالات أمانة، أو شيكات بدون رصيد. وقد يقع فى قروض لها فوائد خيالية وهو مضطر إلى ذلك. ثم تتكاثر عليه الديون. ويحاول أن يستغيث. فلا يغيثه أحد لفداحة الديون التى وقع فيها. وهنا لا يستطيع أن يتحكم في اعصابه وفي كلامه. وقد يشتم الكل! بل قد يصل به الأمر إلى أن يجدف على اللَّه نفسه! ويقول للرب أين أنت؟! لماذا تتركنى في هذا الضياع؟! إنه يخطئ في قلبه وفي فكره وبلسانه، دون أن يستطيع أن يتحكم في كل ذلك.

وهناً كمثال أذكر ما حدث من الماركسيين الذين رأوا فارقاً كبيراً بين حالات الفقر الشديد عند البعض وحالات الترف الواسع عند البعض الآخر. فصاروا لا يمكنهم التحكم في أفكارهم. فادعوا أن اللَّه يعيش في برج عال لا علاقة له بالبشر ولا بمشاكلهم!! ثم تدرجوا إلى إنكار وجود اللَّه ودخلوا في جو من الالحاد في العالم الشيوعى. وصاروا يرغمون الناس على الالحاد أيضاً واصبح الذى يقدم على أحدى الوظائف، لابد أن يجتاز اختباراً... يسألونه ماذا تعرف عن اللَّه؟ لابد أن يجيب لا يوجد إله. ثم ما رأيك في الدين، فيجيب أنه أفيون الشعوب "أى أنه يخدر الناس". فينسون متاعبهم من أجل التفكير في حياة أخرى في السماء! ثم يسألونه أيضاً ما رأيك في رجال الدين؟ فلابد أن يجيب أنهم كلهم كاذبون! وبهذا ينال الوظيفة. واستمر هذا الأمر للأسف الشديد سبعين سنة إلى أن تدخل اللَّه وإنهى ذلك كله.

ومن الذين لا يتحكمون في أنفسهم، اولئك الذين نالوا حرية لا يستحقونها. فتحولت الحرية عندهم إلى لون من التسيب. ووصف كثير منهم بعبارة البلطجة. هؤلاء ما عادوا يتحكمون في تصرفاتهم. التى قد تصل إلى الخطف، أو إلى القتل، أو الايذاء، أو نهب الآخرين. وهم في كل ذلك يرون ما يفعلونه كلون من العظمة أو القوة. ولا يستطيعون التحكم في اخطائهم لأنها صارت طبعاً من طباعهم!!

الوضع السليم أن الإنسان يتحكم في الضغوط الخارجية، ولا يدعها تتحكم هى فيه.