المحبة

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

17/4/2011

جريدة الأهرام

 

 

المحبة هى قمة الفضائل كلها. أو هى جماع الفضائل كلها. وهى على أنواع: محبة اللَّه، ومحبة الخير، ومحبة الغير.

المحبة كائنة في اللَّه مُنذُ الأزل: أحبنا قبل أن نوجد، ومن أجل ذلك أوجدنا. كنا من قبل في عقله فكرة، وفي قلبة مسرة. ثم لمَّا أعدَّ لنا كل شيء، حينئذ خلقنا.

المحبة هى جوهر الدين. والذى ليست فيه محبة، لا يمكن أن يكون متديناً والمحبة هى خروج من الذات إلى الغير. بحيث ينسى الإنسان ذاته، ويذكر غيره. هو إذن لا يعيش داخل ذاته ( داخل الأنا )، إنما يعيش داخل قلوب الناس. يحيا لأجل غيره. ويرى خير الناس قبل خيره هو. وهكذا فيما يحب الخير، يحب الغير. وإذا كانت المحبة تملأ قلبه، حينئذ تفيض من وجهه، وتظهر في ملامحه وفي عينيه وفي كل تصرفاته وأعماله. وتلد في حياته العديد من الفضائل.

والمحبة شيء غير الشهوة تماماً. فالحُب يُريد دائماً أن يعطي. أمَّا الشهوة فتريد دائماً أن تأخذ. الشهوة تكون دائماً ممتزجة بالأنا، بالذات. أمَّا الحب فيمتزج بإنكار الذات لأجل الغير. والحب الحقيقي لابد أن يمتزج بالطهارة والنقاوة، كما يمتزج أيضاً بالحق.

إنَّ المحبة كانت هى الأصل في علاقات الإنسان الأوَّل: كانت المحبة كاملة بين الإنسان واللَّه قبل الخطيئة. وكانت المحبة بين آدم وحواء طاهرة نقية، فيها البساطة والتعاون والثقة. بل كانت المحبة كائنة بين آدم والحيوانات. لا هو يصيدها، ولا هى تؤذيه. وفي ظل المحبة لم يكن يوجد الطبع الوحشي والإفتراس في صفات بعض الحيوانات. بل كان الكل أليفاً. وكان أبونا آدم يحب الحيوانات ويسميها بأسماء.

ونفس الوضع كان في قصة أبينا نوح والفلك. ففي الفلك كان نوح يرعى جميع الحيوانات. وهو الذي أدخلها إليه. وكان يهتم بها فيه ويُقدِّم لها غذائها.

إذاً المحبة هى الأصل والبُغضة دخيله. بل المحبة إذ كانت في اللَّه منذ الأزل، لم يشأ أن يكون وحده. بل من جوده وكرمه أوجد مخلوقات تحيا معه. فخلق الملائكة قبلنا. وكانت المحبة تربط بينهم. وكما قال أحد الآباء:" لو وقف عشرة آلاف من الملائكة معاً، لكان لهم جميعاً رأي واحد ". وكما كان الملائكة يحبون بعضهم بعضاً، هكذا كانوا يحبون اللَّه أيضاً.

والمحبة الحقيقية لها قوتها، وهى لا تسقط أبداً ولا تنهار. وقد قال سليمان الحكيم:" إذا أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة ، تُحتقر إحتقاراً ... ".

لهذا فكل فضيلة تؤسس على المحبة، تكون راسخة. وكل علاقة تبنى على المحبة تبقى قوية ولا تتزعزع. ولهذا قال الرب:" يا ابني أعطني قلبك ". إذاً اللَّه يريد القلب، أي يُريد الحب. وليس مجرد الشكليات والمظاهر الخارجية. والعبادة الخالية من الحب قد رفضها اللَّه، حينما قال عن اليهود:" هذا الشعب يكرمني بشفتيه أمَّا قلبه فمبتعد عني بعيداً " ... لذلك قال عن صلواتهم وهم خطاة:" حينما تبسطون أيديكم، أستر وجهي عنكم. وإن أكثرتم الصلاة، لا أسمع. أيديكم ملآنة
دماً! ".

والمحبة الحقيقية ينبغي أن تكون محبة عملية. فلا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق. ومحبتنا للَّه، يجب أن تثبتها عملياً بحفظ وصاياه. والذي يقول إنه يحب اللَّه، ومع ذلك هو لايحفظ وصاياه، بل يخطئ إليه ... هو إنسان يخدع نفسه بلا شك.

والمحبة لها صفات تُميِّزها. ومحبتك لغيرك تلزمك أن تترفق به، وتتأنى عليه، أي تطيل بالك عليه. والمحبة الحقيقية لا تحسد ولا تتفاخر ولا تنتفخ. ولا تطلب ما لنفسها. ولا تظن السوء. وأيضاً تحتمل كل شيء وتصبر على كل شيء ... إنها منهج طويل شامل في حياة الفضيلة العملية.

إذن ما علاقة المحبة بفعل الخير ومحبة الخير؟ واضح أن الذي في قلبه محبة لابد أن يفعل الخير. ولكن ليس كل مَن يفعل الخير تكون عنده محبة في قلبه. فهناك مَن يفعل الخير مجبراً مضطراً أو عن خوف! وهناك مَن يفعل الخير لكي ينال مدحاً من الناس أو مكافأة! كذلك مَن يفعل الخير رياءً لمُجرَّد حُب المظاهر! وهناك مَن يفعل الخير وهو مُتذمِّر في قلبه. فظاهره شيء، وقلبه شيء عكس ذلك تماماً!

أمَّا الإنسان الفاضل، فهو الذي يحب الخير حتى إن لم تساعده إمكاناته على فعله. وإن فعل الخير لا يقصد من وراءه مكافأة. بل يجد لذة في فعل الخير، والدافع الأساسي الذي يدفعه هو محبة الخير.

أمَّا إذا لم توجد المحبة في قلب إنسان فلا شكّ أن ذلك تنتج عنه رذائل كثيرة، تتنوع من إنسان إلى آخر: فخلو القلب من المحبة يوجد البغضة والكراهية. وقد يتسبَّب عن ذلك الشماتة والفرح بالإثم. بينما يقول الحكيم: " لا تفرح بسقطة عدوك، ولا يبتهج قلبك إذا عثر ". ومن نتائج نقص المحبة أيضاً: الغضب الحاد والحقد. وقد يتطوَّر الأمر إلى الشتيمة والضرب والقتل. وأيضاً التشهير بالغير وإشاعة المذمة ... ومن نقص المحبة أيضاً يوجد الحسد، وتوجد الكبرياء والتعالي والقسوة ...!

أمَّا نقص محبتنا نحو اللَّه، فيظهر في أمور عديدة، منها إهمال الصلاة، وقراءة كتاب اللَّه والتأمُّل فيه، وعدم محبة بيت اللَّه، وعدم الفرح بالسماء.

إن اللَّه في يوم الحساب، سيفحص جميع فضائلنا، ويكافئنا فقط على ما فيها من حُب. لأن الفضيلة الخالية من الحُب، ليست فضيلة على الإطلاق. إنها ليست محسوبة لنا، وأخشى أن تكون محسوبة علينا.

إذن المحبة تتدخل في كل وصية. فكما يقول الكتاب:" لتصر كل أموركم في محبة ".

أمَّا علاقة المحبة بكل فضيلة على حدة، فهي موضوع طويل لا تستطيع هذه الصفحة أن تتسع له. فإعذروني إن أرجئت هذا الموضوع لمناسبة أخرى.