قساوة القلب

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

22/5/2011

جريدة الأهرام

 

 

قساوة القلب قد تظهر في قساوة المُعاملة. بالكلمة القاسية، والنظرة القاسية، والعقوبة القاسية، والتوبيخ القاسي. وقد تكون القسوة على الجسد في تعليمه، أو قد تكون القسوة على النَّفس في إذلالها وسحقها والتشهير بها، والعنف في معاملتها.

وعكس القسوة: الرحمة والحنو والعطف الإشفاق. وهكذا فإن اللَّه يدعو دائماً إلى الحنان والعطف. ويُحذِّر القُساة من أنهم سوف يلاقون المثل. وبنفس المعاملة التي يعاملون بها غيرهم قد يقعون في نفس الجزاء.

فليحترص القساة إذن. وليخافوا على أنفسهم من قساوة أنفسهم. إن القساوة حرب شيطانية. ومَن يتصف بها يشابه الشيطان في بعض صفاته. وبديهي أن القسوة ليست من صفات اللَّه، بل إن اللَّه ـ تبارك اسمه ـ رحيم باستمرار، شفوق على الكل. وواضح أن القلب الطيِّب قريب من اللَّه. إنه مثل عجينة ليِّنة في يد اللَّه، يُشكِّلها مثلما يشاء. بعكس الأشرار الذين لهم قلوب صخرية صلبة قاسية، لا تخضع لعمل اللَّه فيها. وهو سبحانه ينظر إلى الخطية على اعتبار أنها قساوة قلب. لأن القلوب الحسَّاسة لا تُعاند اللَّه مطلقاً، ولا تغلق أبوابها في وجوه الناس. إنها حساسة لصوت اللَّه ولدعوته، سريعة الاستجابة له. تتأثر جداً بمعاملات اللَّه وبعمل نعمته. وإن بعدت عنه، تحن إلى الرجوع إليه بسرعة. أقل حادثة تؤثِّر فيها. وكل كلمة روحية تذيب قلبها، وتُقرِّبه إلى حياة الحنو والشفقة. وعكس ذلك كان فرعون في قساوة قلبه إذ كان لا يلين مُطلقاً، ولا يتوب مهما كانت الضربات شديدة.

القلب القاسي إذن، توبته ليست سهلة. وتأثره بوسائط النعمة ضئيل جداً ووقتي وسريع الزوال. بل قد لا يتأثر على الإطلاق.

القلب القاسي يعيش في جو من اللامبالاة. والكلمة الروحية لا تترك تأثيرها في قلبه. بل قد يسخر ويتهكَّم ويرفض السماع! وقد يرفض المجال الذي يُقال فيه كلام روحي. وتصبح وصايا اللَّه ثقيلة عليه، بينما الثقل هو في قلبه. وهكذا فإن قساوة القلب تقود إلى العناد والمقاومة. رُبَّما تنصح شخصاً مخطئاً وتُبيِّن له خطأه لمدة ساعات. وكأنك لم تقُل شيئاً! فهو مُصر على موقفه، ويرفض أن يعترف بالخطأ. قلبه صخري لا يستجيب. وهكذا إذا استمرَّت قساوة القلب، قد تقود إلى تخلِّي النعمة عن هذا الخاطئ فيضيع.

الإنسان الحساس دموعه قريبة. أمَّا القاسي فيندر أن تبتل عيناه مهما كانت الأسباب. لأن الدموع دليل على رِقة الشعور. بينما القاسي لا رقة في مشاعره في كل معاملاته.

والقاسي قد تقوده قسوته إلى الحِدَّة والغشب. إن مشاعره تشتعل ضد الآخرين بسرعة. فيحتد ويثور، ويُهدِّد وينذر. ولا يحتمل أن يمسه أحد بكلمة. وفي نفس الوقت لا يراعِ مشاعر الآخرين. بل يجرح غيره في سهولة! وفي لا مبالاة. ولا مانع من أن يهين ويشتم. ولا يتأثَّر من جهة وقع الألفاظ الشديدة على مَن يسمعها. فهو قد يجمع بين أمريْن متناقضيْن: فيكون حساساً جداً من جهة المعاملة التي يُعامله بها الناس. أمَّا من جهة وقع معاملته على الآخرين فلا إحساس له بها على الإطلاق. هو إذا وبَّخ غيره بحق أو بغير حق، يكون كثير التوبيخ وعميقه. في قسوته لا يحتمل أحداً، ويريد أن يحتمله الكل.

وبإختصار، فإن القسوة مُنفِّرة. ومن يستسلم لحروب القسوة، يخسر الناس ويفشل في حياته الإجتماعية.

وقد يتقسَّي القلب أحياناً بسبب صُحبة شريرة لها تأثيرها عليه. وقد تدخل هذه الصُّحبة القساوة إلى قلبه، وتقنعه بأهمية السُّلطة والكرامة ووجوب خضوع الناس لهم. وأصدقاؤه قد يدخلون في قلبه معاني جديدة عن القوة والبطولة، أو عن الحرية الخاطئة. وهكذا يثور على كل سلطة ورئاسة، سواء في البيت أو المدرسة أو الشارع. بل قد يثور أيضاً على النظام وعلى القانون. ويرى أن الرجولة هى في فرض رأيه. وكثير من الشباب في بلاد الغرب يرفضون الخضوع لآبائهم حينما يقولون بحجة الحرية الشخصية! ويعتبر الشاب أن نصيحة والده له، هى مجرد رأى قابل للصحة والخطأ، يمكن أن يأخذ به أو لا يأخذ! وفي ذلك يعتز برأيه الخاص ويعتد به. ويصر على أنه صاحب القرار، مهما كان حدثاً أو قليل الخبرة في الحياة! إننا نحتاج أن نُربِّي أولادنا منذ طفولتهم المبكرة، حتى لا تتلقفهم أفكار جديدة عليهم تقسى قلوبهم وتتلفهم. بل قد تدفعهم إلى الجدل في البديهيات، ورفض كل شيء لمُجرَّد الرفض. الأفكار التي تصور لهم الطاعة ضعفاً، والخضوع خنوع، والهدوء خوفاً وجُبناً! وفي تقسية قلوبهم تقلب لهم كل الموازين. فيفرحون بهذا إحساساً بقوة الشخصية.

وإن تكلَّمنا عن أثر الصُّحبة الشريرة في تقسية القلب، لا نقصد بهذه الصحبة مُجرَّد أشخاص، وإنما أيضاً الكُتب والمطبوعات، وكل وسائل الإعلام الخاطئة، والوسائل السمعية والبصرية التي يجب أن نتأكد من سلامتها.

وخاصة ما نقوله عن الصغار يمكنأن نقوله عن الكبار أيضاً في محيط الأسرة مثلاً.

مثال ذلك زوجة تُقسِّي قلب زوجها على أولاده من زوجة سابقة. وتظل تُحدِّثه عن أخطائهم وخطورتهم، حتى يثور عليهم ويقسوا في معاملاتهم. أو مثل أم تظلّ تصب في أذن ابنها المتزوج أحاديث عن أخطاء زوجته، أو إهانات هذه الزوجة لها، حتى تتغيَّر معاملته لزوجته ويقسو عليها. فعلى كل إنسان أن يكون حريصاً ولا يسمح للقسوة أن تزحف إليه من الآخرين أو من أي تأثير خارجي. وعليه عدم تصديق كل ما يسمعه.

وقد يكون من أسباب قسوة القلب، الكبرياء. وقد يكون سببها طباع موروثة. وقد تكون هناك أسباب أخرى ليس الآن مجالها. إنما ذكرنا ما قد ذكرناه كمثال.