الِقيَـمْ

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

8/5/2011

جريدة الأهرام

 

 

كلمة " قِيَمْ " من الناحية اللغوية هى لفظة جمع مفردها " قيمة ". وتعنى الأشياء ذات القيم التى تقود الإنسان في حياته. أو هى الأمور السامية ذات القيمة التى يهتم بها كل مَن يجمع طريقاً فاضلاً. ويتمسَّك بها كمبادئ يبدأ بها كل عمل يعمله.

فما هى الأشياء التى لها قيمة في تقديرك وتقود أعمالك؟

إنَّ الناس يختلفون من جهة القيم فالإنسان الروحى له قيم عالية يضعها أمامه باستمرار، منها البِرّ والاهتمام بالحياة الأبدية. بينما هناك أشخاص في العالم يعيشون بلا قيم. أو لهم قيم أخرى غير روحية. أو لهم تقيمهم الخاص للأمور. وبناءً عليه يتبعون منهجاً آخر في الحياة.

في قلب كل إنسان يوجد اهتمام بشيء مُعيَّن له القيمة الأولى في تقديره الخاص، ويُركِّز فيه كل عاطفته. وهناك مَن يُركِّز جهده في المال ويعطيه كل القيمة. وهناك مَن يُركِّز القيمة كلها في الشهرة أو العظمة. وهناك مَن يجعل القيمة كلها في النجاح أو التفوق. وهناك شخص كل القيم أمامه أن ينتصر على أعدائه ... وبحسب هذا التركيز قد تختفى القيم السامية التى رُبَّما لا يُفكِّر فيها إطلاقاً.

هنا ونتعرض لموضوع هام هو الغرض والوسيلة: فقد يوجد إنسان قد يضع أمامه غرضاً مُعيَّناً يعطيه كل القيمة. وربما في سبيل ذلك لا يهتم مطلقاً بنوعية الوسيلة الموصلة إليه. فلا مانع مثلاً من الكذب والخداع والغش والحيلة لكى يصل إلى غرضه أيَّاً كان هذا الغرض. فإن وصل يشعر بفرحة النجاح، حتى إن كان قد ارتفع على جثث غيره، أو كانت راحته تقوم على تعب الآخرين! مثل هذا الشخص هو شخص وصولى، يعيش بلا قيم. وقد فقد الغرض والوسيلة كليهما.

أما الإنسان الروحى فإنه يضع أمامه غرضاً صالحاً. وتكون وسائله إلى هذا الغرض الصالح هى وسائل صالحة أيضاً.

نتكلَّم أيضاً عن النجاح: فكل إنسان يشتاق إلى النجاح. ويُمثِّل النجاح إحدى القيم التي يضعها أمامه. ولكن ما هو النجاح بمعناه الحقيقي؟ ذلك لأن الأشرار يفرحون أيضاً إذا ما نجحوا في تحقيق الشر الذي يريدونه! وكل صاحب غرض يفرح بنجاحه في الوصول إلى غرضه مهما كان خاطئاً. بينما المعنى الحقيقي للنجاح ليس هو هذا.

فالنجاح هو أن تنتصر على نفسك، لا أن تنتصر على غيرك. والنجاح هو أن تصل إلى نقاوة القلب، وليس إلى مجرد تحقيق أغراضك أيَّاً كان. ونجاحك هو أن تمهد نفسك للأبدية السعيدة، بما تفعله من بِرٍّ.

فإن خرج نجاحك عن هذه القيم، يكون فشلاً لا نجاحاً. لذلك كثيراً ما يفرح إنسان بأنه قد نجح، بينما السماء ترثى لحالته. وقد يظن أنه نجح في أمر من أمور هذا العالم الحاضر، بينما يكون قد خسر أبديته!

لهذا علينا أن نتكلَّم عن الإهتمام بالأبدية كإحدى القيم الهامة والرئيسية في حياة الإنسان الروحي. فكل عمل أو غرض يتعارض مع أبديته، يرفضه رفضاً كاملاً، ولا يقبل في ذلك نقاشاً. ولذلك يقول في نفسه: " ماذا ينتفع الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟! ".

ليتك تسأل نفسك أيها القارئ العزيز: ما هى قيمة الأبدية في حياتك؟ هل هى إحدى القيم الأساسية التي تحرص عليها ولا تبرح أبداً من ذاكرتك؟ أم تشغلك أمور كثيرة لا تجعلك تُفكِّر في الأبدية.

وإن كان البِرّ والفضيلة هما إحدى قيمك وكذلك الأبدية، فهناك سؤال هام عن علاقتك بالغير: ما قيمته في نظرك؟ هل تنظر إلى كل إنسان بإعتباره أخاً لك في البشرية: تحبه ويهمك أمره؟ وهل تحرص على مشاعر الناس، كل الناس؟ وهل تُقدِّر قيمة النَّفس، أي نفس؟ هل كل إنسان نفسه ثمينة عندك؟ تهتم بها كما تهتم بنفسك: تحب له الخير كما تحبه لنفسك؟ وتحرص عليه وعلى مصالحه كما تحرص على أعز أحبائك؟ ما يصيبه كأنه يصيبك. وما يفرحه يفرحك. وما يسيئه يسيئك؟

إن هذه هى إحدى القيم التي يحافظ عليها الإنسان الروحي. أعني تقديره لقيمة النَّفس البشرية أيَّاً كانت. وحرصه الشديد في المحافظة على حقوق ومشاعر كل أحد.

إنك يا أخي ـ لو ارتفعت قيمة الإنسان في نظرك ـ لوجدت نفسك بالضرورة تحترم كل إنسان، وتحب كل إنسان. ولا تجرؤ أن تجرح شعور إنسان ما. ولا تجرؤ أن تخطئ إلى أحد، ولا أن تخطئ مع أحد وتعثره. بل تخاف أن يطالبك اللَّه بدمه في اليوم الأخير.

أنا أعرف أنك قد تهتم بمشاعر الكبار. ولكنك قد تتجاهل الصغار وتنساهم! فيجب أن تهتم بالكبير والصغير، بالعاقل وبالجاهل. ولا يكون أحد منسياً أمامك. بل كل نفس هى عزيزة عندك. وتكون مستعداً أن تتعب من أجل كل أحد يلقيه اللَّه في طريقك.

هنا ونتعرَّض إلى نقطة أخرى من جهة الراحة والتعب: فالإنسان العادي يهمه أن يستريح ولو تعب الناس! أمَّا صاحب القيم فيجد راحته الحقيقية في أن يتعب لكي يستريح الناس فهذه قيمة هامة عندك.

الراحة عنده هى أن يريح غيره لا نفسه. والراحة في مفهومه هى راحة ضميره، وليس راحة جسده فقط. وهو يدرك تماماً أن الراحة الحقيقية هى الراحة في الأبدية، وليست مجرد الراحة على هذه الأرض.

إن التعب من أجل الغير هو إحدى القيم التي يهتم بها الإنسان الروحي. ويعرف أنه في الأبدية سيأخذ أجرته بحسب تعبه.