الخوف: أنواعه وأسبابه

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

27/3/2011

جريدة الأهرام

 

 

في هذا الوقت، الذي لا يشعر فيه كثيرون بالأمن والأمان، انتشر الخوف وسط كثيرين. إذ لا توجد شرطة تحرس. وقد لا يوجد مَن يضبط المُعتدي إذا إعتدى.

وكما يخاف الأطفال من العفاريت ـ مع أنه لا يوجد عفاريت ـ يخاف الناس حالياً من البلطجية، ويوجد بلطجية، ويوجد خارجون على القانون، وهم مُسلَّحون...

لذلك رأيت أن أُكلِّمكم في مقال اليوم عن الخوف، وتاريخه، ومصادره وأسبابه. وأيضاً عن أنواعه، وعن علاجه، وأمثلة من الشجعان غير الخائفين.

عندما خلق اللَّه أبانا آدم كان يعيش مع الوحوش ولا يخاف. وكانت علاقته مع اللَّه فيها المهابة ولكنها خالية من الخوف. غير أنه بعد الخطيئة ابتدأ يخاف. ثم دخل الخوف إلى البشرية جمعاء. وتعدَّدت أسباب الخوف، وتعدَّدت نتائجه. وصار إحدى الحروب الروحية التي بها يحارب الشيطان الإنسان. هل أصبح الخوف أحد الأمراض النفسية، ودخل في طبيعة الإنسان، وأصبح هناك درجات من الخوف: منها الخشية، والفزع، والهلع، والرُّعب. بل قد يحدث أحياناً أن يموت الإنسان من شدة الخوف. ويمكن أيضاً أن يفقد عقله، أو أن تنهار أعصابه، ويرتعش جسمه خوفاً.

على أن هناك نوعاً مُقدَّساً من الخوف. ونقصد به مخافة اللَّه جلَّ جلاله. وفي هذا قيل: "رأس الحكمة مخافة اللَّه". ومخافة اللَّه تدعو إلى مهابته وطاعته وحفظ وصاياه، وتقود إلى محبته وإلى حياة التوبة وحياة الخشوع. ولكن الخوف المقدس ليس هو موضوع مقالتنا اليوم.

في مقدمة أنواع الخوف: الخوف الطبيعي. وقد قال أحد علماء النَّفس: إن الإنسان يخاف من ثلاثة أسباب: الظلام والمجهول والحركة المفاجئة. وواضح أن هذه الأسباب الثلاثة تتركَّز في سبب واحد هو المجهول. فالظلام يطوي خلفه مجهولاً. والحركة المفاجئة لها سبب مجهول. على أن هناك أشخاصاً لهم جسارة قلب، لا يخافون من الظلام، ولا من الحركة المفاجئة.

والخوف من الموت هو أيضاً خوف من المجهول. فالموت شيء مجهول، لم يُجرِّبه الخائف. وكذلك ما وراء الموت هو شيء مجهول أيضاً.

ومن المعروف أنه يخاف من الموت الشخص غير التائب، وغير المُستعد له. ويخاف مَن يحب ملاذ ومُتع العالم الحاضر. والإنسان الروحي يستعد للموت بالتوبة والسلوك في طاعة اللَّه ومحبته. وحينئذ يختفي الخوف منه، ويمنحه اللَّه اطمئناناً. ولكن الشيطان قد يستغل خوف الموت، فيلقي بضحيته في إتجاه نفسي. إذ يجعل الإنسان يهرب من سيرة الموت وأخباره، وينهمك في ملاذ الحياة، ولا يسمع عن هذا الموضوع المُتعب.

وللأسف نجد مرضى في حالة خطيرة وعلى حافة الموت. بينما أقاربهم يبعدون عنهم هذا الاسم المخيف وكذلك أطباؤهم، بأكاذيب وطمئنة خادعة، ويشغلونهم في أحاديث وسمر ولهو وتسلية ... إلى أن يدهمهم الموت فجأة بدون استعداد! على أن محبة الأبدية وسعادة الحياة الأخرى تُنجِّي القلب من خوف الموت وتعطيه روح الاستعداد وتبعده عن شهوات العالم. ولذلك حسناً قال القديس أوغسطينوس: " جلست على قمة العالم، حينما أحسست في نفسي أن لا أخاف شيئاً ولا أشتهي شيئاً ".

هناك نوع سائد، وهو الخوف من الناس. فكثيرون يخافون الناس ويخشون آذاهم. يخشون من قوة في الناس قد تبطش بهم، أو تضيع مستقبلهم، أو تخدش سُمعتهم. أو أنهم يخشون اعتداء الناس عليهم. لذلك يعملون للناس ألف حساب.

ويستغل الشيطان خوفهم من الناس لكي يلقيهم في الملق والرياء والنِّفاق. ولا مانع من أجل إرضاء الناس أن يقولوا عن المُرّ حلواً، وعن الحلو مُرَّاً. وأن يُعادوا مَن يعاديه هؤلاء، ويصادقوا مَن يصادقوه!! وتضيع المبادئ والقيم في طريق الخوف، بل قد يضيع الإيمان نفسه!!

وفي الخوف، وفي صِغر النَّفس، لا يذكر الشخص إلاَّ تلك العبارات: أرضهم مادمت في أرضهم. ودارهم مادمت في دارهم. وحيهم مادمت في حيهم!

إن الخوف يجرف مثل هذا الشخص مع التيار. فيقوده الخوف وليس الضمير. كذلك يخافون الذين يكونوا في أيديهم مصادر فوائد يمكنهم أن يمنحوها أو يمنعوها. فيخشى الشخص أن يفقد ما يشته فيسير مع التيار.

وقد يخاف البعض من رؤسائهم في العمل ومَن في يدهم مصادر رزقهم.

وقد يخاف البعض مِمَّن يستطيعون كشف أخطائهم. فأمَّا أن يعاملوهم بخوف في محاولة للإرضاء والإسكات. وإمَّا أن يقودهم الشيطان إلى التَّخلُّص منهم بجريمة! كالسارق الذي يقتل مَن يراه وهو يسرق. وكالزاني الذي يقتل مَن قد يفضح خطيته. ولا يكون القاتل في هذه الحالة في مركز القوة، إنما على العكس في مركز الضعف والخوف.

والناس عموماً يخافون مَن هم أقوى منهم. سواء مَن هم أقوى منهم عقلاً، أو أقوى منهم بطشاً، أو أقدر على الانتقام، أو على تدبير المشاكل. والخوف من الناس يزيدهم إيذاء. والذي يخاف من غيره قد يخضع له بالأكثر.

هناك نوع آخر من الخوف، هو الخوف من الشيطان. والشيطان يُفرِحَهُ أن تخافه. لأنك في الخوف منه قد تيأس من محاربته فلا تقاوم. أو تستشعر الهزيمة كلما حاربك، فلا تستبسل في مصارعته. وعلى العكس الذي يؤمن بمعونة اللَّه له، لا يخشى إطلاقاً ولا من حروب الشياطين. لذلك لا تعطِ الشيطان قدراً فوق قدره، ولا تخف منه فوق ما ينبغي. واعلم أن ما يلزمك في معاملته، هو الحرص وليس الخوف.

هناك نوع آخر من الخوف، هو الخوف بلا سبب. من أمثلته الخوف الطفولي، أو نوع من الخوف المرضي. فالطفل قد يخاف من لصوص أو أشباح في البيت، بينما لا يكون هناك لا أشباح ولا لصوص. والكبار أيضاً قد يخافون من أسباب لا وجود لها. أو يتصوَّرون مخاوف وهمية لا حقيقة لها على الإطلاق. إنما يخلقها خيالهم المريض. ومن أمثلة ذلك الذين يخافون من السحر أو العمل! والإيمان يمنع الخوف ويُذكِّر الإنسان بالقوة الإلهية الحافظة له.