مخافة اللَّه

وروحانية الخوف

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

6/3/2011

جريدة الأهرام

 

 

يقول بعض الناس: مادُمنا نتعامل مع إله مُحب حنون غفور، لذلك لا نخاف شيئاً. فمهما أخطأنا هو يغفر لنا. وهكذا ينقادون إلى الاستهتار والاستباحة واللامبالاة! ولاشك أنهم يحتاجون كل الاحتياج إلى مخافة اللَّه. وقد قال داود النبي: " بدء الحكمة مخافة اللَّه ".

يلزم في هذا الجيل أن نتحدث عن المخافة. لأنه قد انتزع الخوف من قلوب الكثيرين، حتى من الصغار الذين لا يخافون من أب ولا من أم، ولا من مُعلِّم، ولا من شيخ، ولا من رئيس، ولا من أى سُلطة في المدرسة أو في الشارع أو في العمل.

إن الملائكة ـ وهم يتكلَّلون بالبر ـ لا يخافون. أمَّا البشر وهم يتعرَّضون للسقوط في الخطايا كل يوم، فإن الخوف يلاحقهم، لأنه لاصق بالخطية فيما يسبقها وفي نتائجها.

وأوَّل نوع من الخوف، هو خوف السقوط في الخطيئة. وهو نافع إن دفع صاحبه إلى الحرص. فالإنسان الذى يُحب أن يحيا حياة طاهرة. يخاف من الوقوع في الخطأ. لأنه قيل عن الخطيئة أنها طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء. لذلك فالإنسان الروحى لا يستكبر بل يخاف وبخاصة من عُنف الحروب الروحية ومن قوة الشياطين ومكرهم.

فإن أخطأ الإنسان يقع في خوف آخر، هو خوف الإنكشاف. فيخاف أن يعرف الناس خطيئته، فيقع في العار أو الفضيحة، ويتعرَّض لألسنة الناس التى لا ترحم، وتصبح سمعته مضغة في الأفواه!

ومن أجل خوف الانكشـاف هذا نرى أن الخطية كثيراً ما تُرتكب في الظلام وفي الخفاء.

الخُطاة يخافون أيضاً من اليوم الأخير الذى تنكشف فيه الأعمال، وتفتح الأسفار، وتُفحص الأفكار والنيات. أين يخرجون في ذلك اليوم؟ وأين يختفون؟! فإن كانت خطاياهم قد لا تنكشف على الأرض بأسباب وطُرق شتَّى، فلابد أنها ستنكشف أمام الديان العادل وأمام الكل في يوم الحساب، حيث لا مكتوم الإ ويُعلن، ولا خفى إلا ويُعرف ... وحيث لا تكون هناك أسرار بل الكل معروف.

هناك أمر آخر يخاف منه الإنسان الروحي حتى وهو على الأرض. وذلك أن خطاياه قد تكون مكشوفة أمام أرواح الذين انتقلوا من هذا العالم، سواء أمام أحباءه الذين كانوا يثقون به فيندهشون! أو أمام الذين كانوا ينتقدونه فيرون أنهم كانوا على حق.

ولعل إنساناً يسأل: وماذا ترانى أفعل إذن؟ أقول لك إن التوبة تمحو خطاياك، وكأنك لم تفعلها. فلا تعود إلى الخوف من انكشاف تلك الخطايا التى يمحوها اللَّه بالتوبة.

نوع آخر من الخوف يرتبط بالخطيئة، وهو خوف العقوبة، أو الخوف من نتائج الخطية. والخاطئ يخاف من عقوبتين: إحداهما أرضية والأخرى سماوية. أمَّا العقوبة الأرضية فهى على أنواع: إمَّا عقوبة من المجتمع كالفضيحة أو الاحتقار، أو نبذ ذلك الخاطئ أو عدم الثقة به في المستقبل. أو عقوبة من القانون مثل السجن أو ما هو أشد ... أمَّا العقوبة السماوية فهى رهيبة ومخيفة.

هناك خوف روحى أيضاً يتابع الخاطئ. وهو أن يخاف من غضب اللَّه عليه، أو رفض اللَّه له. أو أن يخاف من أن يأخذ الشيطان سُلطاناً عليه. ويأتي وقت يفقد فيه حرية إرادته. كما يخاف أيضاً أن تتطوَّر حالته إلى أسوأ. ويخاف أن يأتيه الموت فجاءة، وهو في حالة غفلة، أي وهو غير مُستعد لملاقاة اللَّه.

قال أحد القديسين إنى أخاف من ثلاثة أمور: أخاف من لحظة مفارقة روحي لجسدي. وأخاف من ساعة الوقوف أمام الديان العادل. كذلك أخاف من لحظة صدور الحكم عليَّ ... فإن كان القديسون يخافون هكذا، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟

حقاً إن الذى يخاف اللَّه لا يُخطئ. أمَّا الذى يُخطئ فهو إنسان لا يخاف اللَّه. الذى يخاف اللَّه لا يظلم ولا يتدنَّس، ولا يعمل الشر حتى في الخفاء. لأنه يعرف أن اللَّه يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، ويفحص حتى أعماق القلوب والأفكار.

ولعلَّ البعض يسأل: ما رأيك إذن في مَن يفعل الشـر ولا يخاف؟ نقـول إنه وصـل إلى حالة من الاستهتار أو اللامبالاة، أو أن ضميره مريض أو متعطِّل عن العمل. أو أن دوامة العالم تجرفه ولا تعطيه فرصة لمراجعة نفسه أو للتفكير في أعماله. فهو في غيبوبة روحية، إن استيقظ منها فلابد سيخاف ... حقاً إن اللَّه قد وهبنا المخافة كى نصلح مسار حياتنا.

إن مخافة اللَّه تقود الإنسان إلى التوبة، وتمنعه من فعل الخطية قبل ارتكابها. أمَّا إن سقط الإنسان في الخطية، فإنها تعطيه رُعباً من نتائج الخطية ومن عقوبة اللَّه وهكذا تقوده إلى الرجوع إلى اللَّه.

ومخافة اللَّه تُعلِّم الإنسان حياة الحرص والتدقيق. فيكون مُدقِّقاً في كل ما يعمله أو يقوله. ويكون حريصاً في كل ما ينوي أن يفعله، لأنه يخاف أن يسقط ويُغضِب اللَّه. أمَّا إذا لم توجد مخافة اللَّه في القلب، فما أسهل أن ينطبق على هذا الإنسان المَثَل الذي يقول: " إذا لم تستحِ، فإفعل ما تشاء!! ".

ومخافة اللَّه تقود أيضاً إلى الجدِّيَّة في الحياة الروحية، وإلى أن يكون الإنسان ملتزماً وأميناً حتى في القليل. ذلك لأن مخافة اللَّه أمام عينيه على الدوام.

مخافة اللَّه تقود أيضاً إلى الاتضاع، وإلى الخشوع أمام اللَّه وشعور الإنسان أنه مجرد تراب ورماد. والذى يخاف اللَّه يُحاسب نفسه على كل أفكاره ونيَّاته. وكأنه واقف أمام جهاز تسجيل يُسجِّل عليه كل شيء: يُسجِّل مشاعره وعواطفه وأفكاره ونيَّاته، وأخطاء اللسان وأخطاء الحواس. ويخاف أن هذا التسجيل يُذاع في اليوم الأخير.