الصوم: أهميته وفائدته

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

31/7/2011

جريدة الأهرام

 

 

الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية. وبها وضع اللَّه حدوداً للجسد لا يتعدَّاها.

وبالامتناع عن الأكل، يرتفع الإنسان فوق مستوى الجسد، ويرتفع أيضاً فوق مستوى المادة. وهذه هى حكمة الصوم. ولكن حينما ينهزم الإنسان أمام الجسد، حينئذ يأخذ الجسد سُلطاناً عليه. ويظل الإنسان يقع في خطايا عديدة من خطايا الجسد، واحدة تلو الأخرى.

والصوم عرفته كل الشعوب. وهو معروف في كل ديانة، حتى في الديانات الوثنية والبدائية. والذي يقرأ عن البوذية والبراهمية والكونفشيوسية، وعن اليوجا أيضاً، يرى أمثلة واضحة عن الصوم، وعن قهر الجسد لكي تأخذ الروح مجالها. والصوم عندهم تدريب للجسد وللروح أيضاً.

وفي حياة المهاتما غاندي الزعيم الروحي الشهير بالهند، نرى الصوم من أبرز الممارسات الواضحة في حياته. وكثيراً ما كان يواجه به المشاكل. وقد صام مرة مدة طويلة متواصلة، حتى قال الأطباء: إن دمه بدء يتحلَّل.

وبالصوم اكتشف اليوجا بعض طاقات للروح ... تلك الطاقة الروحية التي كانت محتجبة وراء الاهتمام بالجسد، وقد عاقها الجسد عن الظهور، ولم يكتشفوها إلاَّ بالصوم. ويرى الهندوس أن غاية ما يصلون إله هو حالة " النرڤانا " أي إنطلاق الروح من الجسد للاتحاد باللَّه. ولا يمكن أن يدركوها إلاَّ بالنُّسك الشديد والزُّهد والصوم.

بالصوم يشعر الإنسان بضعفه، فيلجأ إلى اللَّه لكي يقوِّيه. فالصوم إذن هو فترة صالحة يتوسَّل بها الإنسان أن يتدخَّل اللَّه لكل مشاكله لكي يحلَّها. وفي فترات الصوم الممزوج بالصلاة، يقترب الإنسان إلى الحياة التي تُرضي اللَّه سبحانه. وروحيات الإنسان يمكن أن تكون في أي وقت، ولكنها في فترة الصوم تكون أعمق، وتكون أصدق، وتكون أقوى.

والذي يدرك فوائد الصوم وفاعليته في حياته وفي علاقته باللَّه، إنما يفرح حقاً بالصوم. ولا يكون من النوع الذي يصوم، وفي أثناء الصوم يشتهي متى يأتي وقت الإفطار! بل أنه حينما يحين الإفطار يشتهي الوقت الذي يعود فيه لصوم من جديد. والإنسان الروحي يفرح بأيام الصوم، أكثر مِمَّا يفرح بالأعياد التي يأكل فيها ويشرب. ومن فرح الروحيين بالصوم، لا يكتفون بالصوم العام، إنما يُضيفون إليه أصواماً خاصة بهم ... شاعرين أن روحياتهم تكون أقوى في فترة الصوم.

ولعلَّنا نتذكَّر أن الآباء الرهبان ـ من محبتهم للصوم ـ جعلوه منهج حياة. وبه صارت حياتهم منتظمة.

إن الصوم الحقيقي، هو الذي يتدرَّب فيه الصائم على ضبط النفس. ويستمر معه ضبط النفس كمنهج حياة. فيضبط نفسه في أيام الفطر كما في أيام الصوم ... وهكذا يكون الصوم نافعاً له، ويعتبر بركة لحياته. ولا يرى في الصوم صعوبة، بل يراه نعمة.

إن الصوم يصل إلى كماله، بالجوع وفي احتماله. وما أكثر الفضائل الروحية التي يحملها الجوع. ففيه يشعر الإنسان بضعفه، فيبعد عن الغرور والشعور بالقوة. وفي ضعفه تقوده مسكنة الجسد إلى مسكنة الروح ... ويصل إلى فضيلة الاتضاع. وفي شعوره بالضعف يحتاج إلى قوة تسنده، فيلجأ إلى اللَّه بالصلاة. وهكذا يرتبط الصوم بالصلاة. وصلاة الإنسان وهو جائع، صلاة أكثر عمقاً. أمَّا الجسد الممتلئ بالطعام، فلا تخرج منه صلوات ممتلئة بالروح. في الواقع أن الجوعان يشتاق أن يُصلِّي. أمَّا الشبعان فكثيراً ما ينسى الصلاة. ولعلنا نلاحظ أن غالبية المتدينين يُصلُّون قبل الأكل. بل نرى قليلين من الذين يُصلُّون بعد الانتهاء من الأكل وقد شبعوا.

إن الصوم مفيد للإنسان صحيَّاً. فالذي يُتعب الجسد ليس هو الصوم بل الأكل أي كثرة الأكل والتخمة وعدم الضوابط في الطعام. بل الصوم هو فترة راحة لبعض أجهزة الجسد، إنها فترة تستريح كل أجهزة الجسد الخاصة بالهضم والتمثيل: كالمعدة والأمعاء والكبد والمرارة. هذه التي يرهقها الأكل الكثير والطعام المُعقَّد في تركيبه. كما يُتعب الجسد أيضاً أنه بعد الإفطار يبدأ في تناول المسليات والترفيهات وما أشبه، فترتبك أجهزته.

وما أخطر اللحوم بشحومها ودهونها في إزادة نسبة الكوليسترول في الدم، وخطر ذلك في تكوين الجلطات. حتى أن الأطباء يشددون جداً في هذا الأمر. ويُقدِّمون النصائح في البُعد عن الدسم الكثير حرصاً على صحة الجسد وبخاصة بعد سن مُعيَّنة وفي حالات خاصة.

ومن فوائد الصوم أنه يُساعد على التَّخلُّص من السمنة والبدانة والتَّرهُّل. فالمعدة كلما تعطيها أزيد من احتياجها، تتسع لتحتمل ما هو أكثر. ويزداد اتساعها في حالات التَّرهُّل. وكثير من الأطباء ينصحون من أجل صحة الجسد بإنقاص وزنه، ويضعون له حكماً يُسمَّى Regime ( رچيم ). ويقولون: الإنسان البدين لن يضبط نفسه في الأكل بعد أن كان يأكل بلا ضابط. والصائم يُقلِّل أو ينقص من وزنه بدون أمر من طبيب. حقاً أنها لمأساة، أن يقضي الإنسان جزء كبير من عمره يُربِّي أنسجة لجسده، ويُكدِّس في هذا الجسم دهوناً وشحوماً. ثم يقضي جزء آخر من عمره في التَّخلُّص من هذه الكتل التي تعب كثيراً في تكوينها واقتنائها. لعلَّ هذا يُذكِّرني بالتي تظل تأكل إلى أن يفقد جسدها رونقه. ثم ينصحها الأطباء أن تصوم وتُقلِّل الأكل وتتبع رچيم.

صوموا إذن لتستفيد أجسادكم صحيَّاً ولا تفقد رونقها، وفي نفس الوقت تسمو الروح وتقترب من اللَّه.

إن الصوم يُساعد على علاج كثير من الأمراض. ومن أهم الكُتُب التي قرأتها قديماً في هذا المجال، كتاب لعالم روسي تُرْجِمَ إلى العربية سنة 1930م باسم " التطبيب بالصوم ".

إن الصوم أيضاً يجعل الجسد خفيفاً ونشيطاً. فالصوم إذن ليس مُجرَّد علاج للروح، إنما هو علاج للجسد أيضاً. فيجب أن تتحرَّروا من فكرة أن الصوم يتعب الصحة، هذه الفكرة التي تجعل بعض الأمهات من حنوهم الزائد على صحة أبنائهن يخفن عليهن من الصوم. فتفرح الأم أن ترى ابنها سميناً وممتلئ الجسم وتظن أن هذه هى الصحة! بينما قد يكون العكس هو الصحيح.