وأيضاً طاقات الإنسان

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

3/7/2011

جريدة الأهرام

 

 

تحدثنا من قبل عن العقل والضمير والحواس والمعرفة كطاقات للإنسان. ونوِد اليوم أن نتحدَّث عن الجسد والإرادة كطاقتين للإنسان أيضاً.

فالجسد باعتباره طاقة وهبها اللَّه للإنسان، فهو الجهاز التنفيذي لكل القرارات التي تصدر عن الروح، وعن العقل، وعن الضمير، وعن الإرادة ... والجسد القوي يستطيع أن يُنفِّذ. بينما الجسد الضعيف يعتذر عن ذلك.

وما أسهل أن تؤثر أمراض الجسد على النفس. فتجلب لها ألواناً من الألم أو الحزن، أو الضيق أو التذمر. وكثير من الناس قد يصلون إلى درجات من الإنهيار النفسي بسبب حالة أجسادهم. أو يصلون إلى مرض الكآبة، أو إلى الحيرة والقلق ... أو تنشغل عقولهم بكيفية التصرف مع حالة الجسد.

وبعض أمراض الجسد تؤثر على كثير من طاقاته: فمثلاً ارتجاج أو نزيف في المخ، قد يؤثر على بعض مراكز المخ كالذاكرة أو الحركة أو الصوت ... وتصلُّب الشرايين قد يؤدي إلى فقدان الذاكرة. وأعصاب الجسد إذا التهبت تؤثر على نفسية الإنسان وسلوكه. وأمراض تؤثر على طاقاته.

كذلك شهوات الجسد تؤثر على العقل وعلى الضمير. وتحاول أن تستخدم العقل لتحقيق رغباتها. كما تسكت الضمير، أو تحاول أن توجد أعذاراً أو تبريرات لهذه الشهوات!! وشهوة الجسد قد تستأسر الفكر تماماً، فلا يدور إلاَّ في فلكها. كما تضعف الروح وتبطل صلتها باللَّه.

لكل هذا يلزمنا الاهتمام بأجسادنا. لا نضعفها بحيث تتعطَّل طاقاتنا. ولا نثير غرائزنا بحيث تضعف أرواحنا.

يلزمنا أيضاً حفظ التوازن بين طاقات الإنسان، والتعاون والتكامل بينها. بحيث لا يوجد تناقض أو تصارع بين الطاقات. ونتفادى أن يوجد إنقسام في شخصيتها أو صراع داخلي، كما قال أحد الأدباء الكبار مرة: " كنت أصارع نفسي وأجاهد، حتى كأنني اثنان في واحد. هذا يدفعني، وذاك يمنعني ". وهذا التصارع الداخلي قد عبَّر عنه الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته "لست أدري". فقال:

 

إنني ألمح في نفسي صراعاً وعراكاً
هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراك

...

...

وأرى نفسي شيطاناً وأحياناً ملاكاً
أم تراني واهماً فيما آراه لست أدري

 

إن الإنسان السليم السوي لا يوجد فيه هذا الصراع. فمن الجائز أن يوجد صراع بينه وبين عوامل أو حروب خارجية. ولكنه في داخل نفسه مستقر تماماً، غير منقسم على ذاته في فكره ولا في مشاعره ولا في إرادته. هو إنسان واحد يحارب بكل طاقاته في حرب خارجة عنه. أمَّا الحرب الداخلية فتحدث لأسباب منها: أن طاقة من طاقات الإنسان تُحب أن تسيطر على طاقاته الأخرى أو بعضها. مثال ذلك إنسان يُحكِّم عقله، فتسير أموره سيراً حسناً. ثم تشتهي نفسه شهوة، أو تنفعل انفعالاً، فتخرج العقل من سيره الطبيعي ليخضع له. ولهذا فإنه ما أسهل أن يكون العقل أحياناً خادماً مطيعاً لرغبات النَّفس! فقد ترغب النفس رغبة خاطئة، وهى مُصِرَّة عليها ومنقادة لها، وتخضع العقل لها. فإذا به يُقدِّم لها براهين وأدلة تؤيد سلوكه. أمَّا الإنسان صاحب العقل الحُر، فيقول عن الحق أنه حق، ولو كان صادراً من عدوه. ويقول عن الباطل أنه باطل، ولو كان صادراً من أبيه أو أخيه.

طاقة أخرى من طاقات الإنسان هى الإرادة. وهى أيضاً تحتاج إلى تنمية وتقوية. فكثيرون يعرفون الخير. ولكن إرادتهم لا تقوَ على عمله. ويعرفون ما هو الشر ومضاره، ومع ذلك فإرادتهم أضعف من أن تبعد عنهم. وهكذا تعجز إرادتهم عن مقاومة الخطيئة، مع معرفتهم بكل نتائجها الرديئة! وذلك بأن الرغبة أو الشهوة تُسيطر على الإرادة وتقودها في طريقها.

الإرادة إذن سلاح ذو حدين، يُستخدَم للخير أو للشر. وكل إنسان يحتاج إلى تقديس الإرادة وإلى تقويتها. وبهذا تكون طاقة نافعة له في حياته الروحية. وهناك تداريب كثيرة لتقوية الإرادة وتنميتها. وبتنمية الإرادة، تُميِّز بين الحرية والتَّسيُّب. فكلنا نحب الحرية. ولكن يجب أن ندرب أنفسنا على أن نسلك في الحرية بإرادة صالحة، وبضمير سليم، وفي حياة روحية وصلة باللَّه. وإلاَّ تحوَّلت الحرية إلى لون من التَّسيُّب. وقد يفقد الإنسان سيطرته على إرادته، وعلى توجيه حياته توجيهاً سليماً.

إن الميل إلى الخير هو الأصل في الإنسان، إذ قد خلقه اللَّه سليماً من كل شر. أمَّا الميل إلى الشر فهو دخيل على طبيعة الإنسان، فلابد أن نبحث عن أسابه ونتفادها أو نقاومها. فما هى أسباب ضعف الإرادة إذن؟

إن أول شيء يضعف الإرادة هو الشهوة: أيَّة شهوة سواء شهوة الجسد، أو شهوة المال وحب الاقتناء، أو شهوة المناصب وتعظُّم المعيشة، أو شهوة الانتقام، أو شهوة اللهو والعبث. وغير ذلك من الشهوات، التي حينما تدخل إلى القلب، تضعف الإرادة عن مقاومتها. وكلما زادت الشهوة، فإنها تضغط على الإرادة بشدة حتى تنهار الإرادة تماماً. وحينئذ يقول الإنسان المنهارة إرادته: " الشر الذي لست أريده فإيَّاه أفعل! ". لذلك من عوامل تقوية الإرادة معالجة شهوات الإنسان وطردها من القلب.

ومِمَّا يُضعف الإرادة ويُقوِّي الشهوة، القرب من مادة الخطية أي من مسبباتها. وقد قال أحد الآباء: " وأنت بعيد عن مادة الخطية، قد تأتيك المحاربة من الداخل فقط. أمَّا إن صرت قريباً من مادة الخطية، فحينئذ تقود عليك حربان أحداهما من الداخل والأخرى من الخارج، ويتعاونان على إسقاطك إذ تضعف.

والبُعد عن مادة الخطية يشمل البُعد عن كل المعاشرات الرديئة التي تدخل فكر الخطيئة إلى عقلك وإلى قلبك. وحينئذ يضغط الفكر عليك، فتضعف إرادتك أمامه.

ومِمَّا يضعف الإرادة بالأكثر، طول المدة في جو الخطية. كذلك السرعة أمر هام. فإن أتاك فكر خاطئ وطردته بسرعة، حينئذ تقوى إرادتك. أمَّا إن فتحت لهذا الفكر أبواب ذهنك، وتباطئت في طرده، واستمر معك فترة، فحينئذ تضعف إرادتك أمامه. فإمَّا أن تخضع له، أو إن طردته بعد حين يكون ذلك بصعوبة بالغة، وما أسهل أن يعود إليك مرة أخرى.