حروب الأفكار

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

5/6/2011

جريدة الأهرام

 

 

حروب الأفكار قد تكون في اليقظة، وقد تكون أثناء النوم. والأفكار التى تأتي أثناء النوم، ربما تكون مترسبة من أفكار وأخبار بالنهار. أو رسبت في العقل الباطن نتيجة لشهوات أو أفكار، أو ما جلبته الأذن من أخبار وحكايات، وما قرأه الشخص وترسَّب في ذهنه.

كل هذه تأتي في أحلام، أو في سرحان، أو ما يسمونه أحلام اليقظة. ويستمر الشخص فيها طالما كان القلب قابلاً لها. أمَّا إن كان رافضاً لها فإنها تتوقَّف ويصحو الشخص لنفسه. وإرادة الإنسان يمكنها أن تضبط الفكر. فهى التى تسمح بدخوله. أمَّا إن دخل الفكر خِلسة، فهى التى تسمح باستمراره أو بإيقافه. ومن هنا تأتي المسئولية: هل هذه الأفكار إرادية، أو غير إرادية، أم شبه إرادية. أي من النوع الذى هو غير إرادي الآن. ولكنه نابع من إرادة سابقة تسببت فيه.

فقد يغرس الشيطان فكراً في عقل الإنسان، يدخل إليه بغير إرادته. ولكن حتى هذا الفكر الذى لا مسئولية عليه في دخوله، توجد مسئولية عليه في قبوله. إن أراد، يمكنه أن يطرد الفكر، ولا يتعامل معه، ولا يُرحِّب به.

وقد يأتيه الفكر الخاطئ في حلم. فإن كان قلبه نقياً تماماً، سوف لا يقبل هذا الفكر في الحلم أيضاً.

إذن قاوم الفكر الخاطئ في النهار أثناء يقظتك، لكى تتعوَّد المقاومة حتى بالليل أثناء نومك. وتنغرس هذه المقاومة في أعماق شعورك، ويتعودها عقلك الباطن. ولهذا نقول إنَّ زمام أفكارك في يدك. سواء منها الأفكار التى تصنعها بنفسك، أو التى ترد إليك من الخارج، من الشيطان أو من الناس. وما أصدق ذلك المثل القائل: إن كنت لا تستطيع أن تمنع الطير من أن يحوم حول رأسك، فإنك تستطيع أن تمنعه من أن يُعشِّش في شعرك.

وبإرادتك، وبعمل النعمة فيك، يمكنك السيطرة على الأفكار، فلا تجعلها تأخذ سلطاناً عليك. لذلك لا تستسلم للأفكار الخاطئة. كن حكيماً. تعرف كيف يبدأ الفكر، وكيف يتطوَّر، وما خط سيره داخل ذهنك؟ وما نوع الأفكار التى تبدأ بريئة وهادئة، وتنتهى بنهاية خاطئة؟

وإن اشتدت عليك الأفكار بطريقة ضاغطة ومستمرة، فلا تيأس ولا تقل لا فائدة من المقاومة، وتستسلم للفكر!! إن اليأس يجعل الإنسان يتراخى مع الفكر، ويفتح له أبوابه الداخلية، ويضعف أمامه ويسقط.

ونضع أمامك هذه المبادئ للانتصار على الأفكار الخاطئة:

1ـ درب نفسك على أن تتولى قيادة أفكارك، ولا تجعل الأفكار تقودك.

2ـ املأ فكرك باستمرار بشيء روحي نافع. حتى إذا آتاك الشيطان بفكر رديء، لا يجد الذهن متفرغاً له. وهذا علاج وقائي.

إذن لا تترك عقلك في فراغ، خوفاً من أن يحتله الشيطان ويغرس فيه ما يريد. لهذا فإن القراءة الروحية مفيدة جداً. ليس فقط في شغل الذهن ومنع الأفكار الرديئة عنه، وإنما أيضاً لها فائدة إيجابية، لأنها تعطى العقل مادة روحية للتأمل، وتعطى القلب مشاعر محبة للَّه وللخير، تجعله قوياً في طرد الأفكار المضادة.

3ـ كن متيقظاً باستمرار، ساهراً على نقاوة قلبك. فلا يسرقك الفكر الخاطئ دون أن تحس. واطرد الأفكار الخاطئة من بادئ الأمر قبل أن تضعف وتقوى عليك. لأن إن تركت الأفكار الخاطئة باقية فترة في ذهنك، لا تلبس أن تثبت أقدامها وتقوى عليك. وكُلَّما استمرت واستقرَّت، تضعف أنت أمامها ولا تستطيع مقاومتها وتسقط.

4ـ اهتم بالفضيلة الروحية التى يُسمونها ( استحياء الفكر ). أي أن يستحي من الفكر الخاطئ فلا يقبله وسرعان ما يرفضه.

5ـ ومن الناحية المضادة، ابتعد عن العثرات التى تجلب لك أفكاراً خاطئة. ابتعد عن كل لقاء خاطئ، وعن كل صداقة أو معاشرة رديئة. ابتعد عن القراءات التى تجلب لك أفكاراً لا تليق، وعما يشبه ذلك من السماعات والمناظر والأحاديث وكل مُسبِّبات الفكر البطَّال.

6ـ ومادامت الحواس هى أبواب الفكر، فلتكن حواسك نقيَّة لتجلب لك أفكاراً نقية. أمَّا إن تراخيت مع الحواس، فإنك بذلك إنما تحارب نفسك بنفسك.

7ـ احترس من الأفكار المتوسطة، التي ليست هى خيراً ولا شراً في ذاتها. لأنها كثيراً ما تكون تمهيداً لأفكار خاطئة. فالذي لا يضبط فكره، بل يتركه شارداً هنا وهناك، قد يرسو على موضوع خاطئ ويستقر فيه. لذلك لا ينفعك أن تترك فكرك يسرح في أمور عديمة الفائدة.

8ـ إن أتعبك الفكر ولم تستطع أن تنتصر عليه، اهرب منه بالحديث مع الناس. لأن حديثك معهم يطرد الفكر الذي في داخلك. إذ لا يستطيع عقلك أن ينشغل بموضوع الفكر وبالأحاديث في نفس الوقت.

9ـ إن الهروب من الأفكار خير من محاربتها. لأن الفكر الشرير الذي ينشغل به عقلك: حتى لو انتصرت عليه يكون قد لوَّثك بعض الوقت.

10ـ اعرف أيضاً أن الأفكار الخاطئة إذا استمرَّت، قد تقود إلى شهوات وتكون أخطر. لأنها تنتقل حينئذ من الذهن إلى القلب، ومن الفكر إلى العاطفة.

وإن وصل بك الفكر إلى الشهوة، فلا تكملها. بل حاول أن تتخلَّص منها. وتذكَّر ما قاله أحد الحكماء: " افرحوا لا لشهوة نلتموها، بل لشهوة أذللتموها ". ذلك لأن أكثر شيء يفرح الإنسان هو أن ينتصر على نفسه، سواء في أفكاره أو في شهواته. حقاً إن فرح الإنتصار على النَّفس، هو أعمق من اللَّذة بالأفكار أو بالشهوات.

وفي كل ذلك اطلب معونة اللَّه لكي تسندك. فإن القوة التي تأتيك من معونة اللَّه هى أقوى بكثير من القوة التي تُحاربك بها الخطية.