مجالات للشكر

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

2/1/2011

جريدة الأهرام

 

 

ما أجمل ذلك التعليم الروحي الذي يقول: " شاكرين في كل حين، على كل شيء ". أي أن الشكر للَّه تبارك اسمه، لا يكون فقط في مناسبات مُعيَّنة. بل تكون حياتنا كلها في شكر دائم، معترفين بفضل اللَّه علينا في كل حين.

إننا نشكر اللَّه في بداية هذا العام الجديد، لأنه منحنا صفحة جديدة من الحياة، ينبغي أننا لا نكتب فيها إلاَّ كل خير. على أننا لا نقتصر على ذلك. بل نشعر بإحسانات اللَّه إلينا باستمرار، على الرغم مِمَّا يمر علينا من ظروف الحياة المتنوعة. إننا ندرك عن يقين وثقة أن اللَّه صانع الخيرات، لا يعمل معنا إلاَّ كل خير، سواء كنا نرى هذا الخير أو لا نراه. إننا نشكره على الخفيَّات والظاهرات. نشكره على النِّعم الجزيلة التي يفيض بها علينا، كما نشكره على القليل أيضاً أو ما نراه قليلاً. لذلك فإن الإنسان الروحي يحيا دائماً في سلام وفي شكر ليس فقط بالكلام وإنما من عمق القلب أيضاً. ويشكر أيضاً على كل الخير الذي يتلقاه من اللَّه. موقناً إنه لا توجد عطية بلا زيادة إلاَّ التي بلا شكر. بل يصل الشكر أيضاً حتى في وقت الضيقة. لأنَّ اللَّه لا يسمح للإنسان بالضيقة إلاَّ لو كان وراءها خير لابد يظهر بعد حين. ومن الطبيعي أن يشكر كل شخص على إنقاذ الرب له من الضيقات التي يراها. ولكن ينبغي أن يشكر أيضاً على الضيقات التي كانت تسعى إليه. ووقفها اللَّه ومنعها قبل أن تحدث. وهنا يكون الشكر ليس على الضيقات التي أنقذه اللَّه منها، بل أيضاً على الضيقات التي حفظه اللَّه من وصولها إليه.

لو عاش الإنسان حياة الشكر الحقيقية، لكان يشكر اللَّه على كل نَفَس يتنفَّسه، وعلى كل خطوة يخطوها، وعلى كل عمل يعمله، وعلى كل ما يأتي عليه. ولا يرى أن هناك شيئاً من تدابير اللَّه معه، إلاَّ ويستحق الشُّكر. وهكذا يقول في كل ما يحدث معه: " كله للخير ".

هناك أسباب كثيرة يجب أن نشكر اللَّه عليها، ولكننا نادراً ما نشكر! وبعضها يبدو لنا كأنها مُجرَّد أمور عادية. وعلى الرغم من أنها نِعَم، إلاَّ أنها لم تستوفِ حقها من الشُّكر.

مثال ذلك أنه ينبغي أن نشكر اللَّه لأنه خلقنا وأنعم علينا بالوجود. ولكن مَن مِنَّا يشكر اللَّه على ذلك؟! كان ممكناً يا أخي أنك لا تكون موجوداً. لم يكن اللَّه مطالباً أن يزيد العالم واحداً! اشكر اللَّه أن والدتك لم تكن عاقراً، بل منحها اللَّه نعمة أن تلد بنين. أو كان ممكناً أن والديك يكتفيان بولادة إخوتك، دون أن يأتي دورك ...

ينبغي أن نشكر اللَّه أيضاً على الطبيعة التي حولك، وعلى كل ما خلقه اللَّه لأجل راحتك. اشكره على أنه رتَّب كل قوانين هذا الكون من حيث الضياء والهواء والحرارة والأمطار وكل الكائنات التي حولنا. اشكره لأنه أقام لك السماء سقفاً، وثبَّت الأرض كي تمشي عليها. ولم يدعك معوزاً شيئاً من أعمال كرامتك.

عليك أن تشكر اللَّه أيضاً على ما وهبك اللَّه من العقل أو الذكاء أو أيَّة موهبة منحك اللَّه إيَّاها: مثل موهبة الرسم أو الموسيقى أو رخامة الصوت، أو جمال الوجه، أو القدرة على الاقناع، أو خِفَة الروح التي تُحبِّب الناس فيك، أو أيَّة موهبة أخرى مثل القدرة على الاحتمال والصبر ... وكلها مواهب من اللَّه تحتاج إلى شكرك عليها.

اشكر اللَّه أيضاً على الإيمان الذي أنت فيه. نعم هل تشكره على أنك ولدت مؤمناً؟ ولم تبذل أي مجهود لكي تصل إلى هذا الإيمان ... ذلك لأن كثيرين يشتهون هذا الإيمان ولا يجدونه، أمَّا أنت فقد نلته مجاناً وسهلاً. إذ وُلدت فيه.

سمعت مرة عن قصة فيلسوف مُلحِد، رأى فلاحاً أممياً يُصلِّي. وتعجَّب كيف أن هذا الرجل البسيط يركع في حقله، ليخاطب مَن لا يراه وذلك من كل قلبه وبكل مشاعره وبكل ثقة وإيمان! فقال: إنني مستعد أن أتنازل عن كل فلسفتي وكل ما درسته من كتب، مقابل أن أحظى بشيء من إيمان هذا الغلام البسيط.

نعم، إن إيمانك نعمة لم تحظَ بها البلاد المُلحِدة ولا أولئك الأشخاص الذين شوَّه الشيطان عقولهم بشكوك لا يعرفون ردوداً عنها.

اشكر اللَّه أيضاً على أنك ما زلت حيَّاً. ذلك لأن حياتك هى منحة من اللَّه، بيده أن يبقيها أو أن ينهيها في أي وقت. وهى يجددها لك يوماً بيوم وساعة بساعة. فلتشكره إذن على هذا اليوم الذي تحياه. اشكره أيضاً على أنه وقد مد في حياتك، إنما قد أعطاك أيضاً فرصة للتوبة. واذكر هنا ما قاله أحد الكُتَّاب: " إنَّ ملايين الناس من الذين في الجحيم، يشتهون ساعة واحدة من الحياة التي على الأرض، أو حتى دقيقة واحدة، ليُقدِّموا فيها توبة للَّه، ولا يجدون! ".

لو أن اللَّه قرَّر أن يأخذ روحك الآن، ألاَّ تشتهي بعض الدقائق من هذا العمر الذي لك؟! تقول له بعض دقائق يارب أوزِّع فيها ما أملك وأعطيه للفقراء لأكنز بها كنزاً في السماء. نعم بعض دقائق أستطيع فيها أن أُصالح من أخاصمهم، مهما كان المخطئين ... وكل ذلك قبل أن يُغلَق الباب وأقف خارجاً.

اشكر اللَّه أيضاً لأنه هيئ لك بيئة دينية تعيش فيها، وأنه وهب لك هذا القدر من المعرفة الروحية والسلوك الروحي، وأنه أرسل لك قدوات صالحة في طريقك، تتعلَّم منها الحياة الحقيقية وكيف تكون. اشكر اللَّه أيضاً لأنه لا توجد عوائق تمنعك عن الحياة مع اللَّه.

نحن أيضاً نشكر اللَّه، لأنه لم يُعاملنا بحسب خطايانا، ولم يصنع معنا بحسب آثامنا. بل على الأكثر فعلى الرغم من أخطاءنا يحسن هو إلينا بكل أنواع الإحسان ... لذلك علينا أن نشكر اللَّه على احتماله العجيب وطول آناته علينا ... نعم جميل هو التأمُّل في معاملات اللَّه، سواء لك أو لغيرك. إننا نشكره عليها، لأنه حنون وطيب ومُحب، ولأنه غفور.

نشكره على الصحة وعلى المرض، ونشكره لأنه سترنا وأعاننا وأشفق علينا، وأتى بنا إلى هذه الساعة. ونشكره على كل عمل صالح استطعنا أن نعمله، لأنه لو لم تكن يد اللَّه معنا ما كنا نستطيع أن نعمل شيئاً صالحاً على الإطلاق. وأكثر من هذا كله نشكر اللَّه لأنه أعطانا أن نعرفه. كما نشكره لأجل وعوده العظيمة التي منحنا إيَّاها.