فلسفة الأخذ والعطاء

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

27/11/2011

جريدة الأهرام

 

 

هل نحن في الحياة نأخذ أم نُعطي؟ أم نحن نأخذ ونُعطي؟ أم نأخذ ولا نُعطي؟ ... لكي نفهم كل هذا، علينا أن ندرك ما هى فلسفة الأخذ والعطاء.

كلنا في الحياة نأخذ ونُعطي. وسعيد هو الإنسان الذي مهما أعطى، يشعر أنه يأخذ أكثر مِمَّا يُعطي. أو أنه لا يشعر إطلاقاً بأنه يُعطي ... بينما مسكين ذلك الشخص الذي لا يظن أنه لا يأخذ شيئاً أو هو لا يشعر بما يأخذه ... إنه يعيش تعيساً في الحياة، شاعراً بالظلم، وشاعراً بالعوز والاحتياج. وقد يقضي عمره كله في التذمُّر وفي الضجر والشكوى، وفي الافتقاد إلى الحُب.

واحد فقط يُعطي باستمرار دون أن يأخذ من أحد. إنه اللَّه. واللَّه وحده يُعطي الكل، ولا يأخذ من أحد شيئاً. ذلك لأنه لا يحتاج إلى شيء. فهو مُكتفٍ بذاته، كامل في كل شيء، يملك كل شيء. ولا يوجد عند أحد شيء يعطيه للَّه.

لكن لعلَّ البعض يسأل: ألسنا في الصلاة نُعطي اللَّه وقتاً، ونُعطيه قلباً وشعوراً وخشوعاً وحُبَّاً؟! كلا ليس هذا هو المفهوم الحقيقي للصلاة. بل إننا عندما نُصلِّي، إنما نأخذ من اللَّه معونة، ونأخذ منه نعمة وبركة. ونأخذ كافة احتياجاتنا الروحية والمادية. بل نأخذ أيضاً لذَّة التخاطب معه ولذَّة الوجود في عِشرة اللَّه.

والذي يظن أنه في الصلاة يُعطي اللَّه وقتاً، ما أسهل عليه أن يمتنع أحياناً عن الصلاة محتجاً بأنه ليس له وقت ليعطيه!

في الواقع إننا نُصلِّي لأننا محتاجون إلى اللَّه. لذلك نبسط إليه أيدينا إشارة إلى أخذنا منه. إن أفواهنا تتقدَّس عندما تلفظ اسمه القدوس. ولا شكَّ أنه تواضع كبير من اللَّه أن يسمح لنا بمخاطبته. لهذا ففي كل مرَّة نسجد للصلاة، ينبغي أن نشكر اللَّه ـ تبارك اسمه ـ على تواضعه وسماحه لنا بمخاطبته.

وعندما يقول اللَّه: " يا ابني أعطني قلبك " ... فأن ما يقصد: اعطني هذا القلب لكي أُطهِّره وأُقدِّسه، وأملأه حُبَّاً ونقاءً، وأجعل فيه ما يحتمله من كل أنواع الفضائل. وأرفعه عن مستواه الأرضي لكي أجلسه في السماويات.

وعموماً من جهة موقفنا من العطاء، نحن لا نملك شيئاً لنعطيه. فكل الذي لنا هو ملك للَّه، قد استودعنا إيَّاه. وقد أخذناه منه لنعطيه لغيرنا. فكل ما نتبرَّع به لمشروعات الخير، إنما نقول عنه للَّه ما سبق أن قاله داود النبي: " من يدك أعطيناك " .... تماماً كالابن الصغير الذي يُقدِّم هدية في عيد الأسرة لأبيه أو أمه. ومن هنا قد أخذ المال الذي اشترى به هذه الهدية.

إنَّ اللَّه قد أعطانا اليد التي تُعطي. وأعطانا الخير الذي نُعطي منه. بل قد أعطانا أيضاً محبة العطاء والقدرة على العطاء. حقاً إن موهبة العطاء قد أخذناها منه. قد تفضَّل اللَّه وأنعم بها علينا. هى جزء من عمله فينا، وجزء من مؤازرة نعمته علينا. لأن كل موهبة صالحة هى نازلة من فوق من عند اللَّه.

كل شيء نعطيه سنجده في الأبدية، وسنرى أكثر منه بكثير في المكافأة السمائية. إذن فالشيء الذي نعطيه، أو الذي يعطيه اللَّه عن طريقنا، هى محجوز لنا فوق. لم يَضَعْ ... وفي الواقع إننا لم نعطه، وإنما قد ادخرناه. وبالإضافة إلى ذلك فإنما نحن نعطي الفانيات لكي نأخذ الباقيات. نعطي الأرضيات ونأخذ السماويات ... لا شكَّ إذن أننا نأخذ أكثر مِمَّا نُعطي.

لذلك أيَّها القارئ العزيز، عوِّد نفسك على العطاء. فقد قال السيد المسيح له المجد: " مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ ". اعطِ بفرحٍ لا بتضايق. لأنَّ الكتاب يقول: " المُعطي المسرور يحبه الرب ". إذن ليكُن عطاؤك هو عن حُب وعن عاطفة، وبسخاء وكرم. اعطِ وأنت موسر، واعطِ وأنت معوز. والذي يُعطي من أعوازه يكون أعظم بكثير من الذين يعطون عن سعة. وأجره أكبر في السماء.

وإن لم يكن لك ما تعطه لغيرك، اعطِ ابتسامة طيبة، أو كلمة تشجيع، أو عبارة تُفرّح قلب غيرك. ولا تظن أن هذا العطاء المعنوي أقل من العطاء المادي في شيء. بل أحياناً يكون أعمق أثراً. ولكن حذاري أن تكتفي بالعطاء المعنوي إن كان بإمكانك أن تُعطي المادة أيضاً.

واشعر ـ عندما تُعطي ـ أنك تأخذ. فالسعادة التي يشعر بها قلبك حينما يُحقِّق سعادة لغيره، هى شيء أسمى من أن يُقتنى بالمال. راحة الضمير التي تأخذها، وفرحة القلب برضا الناس، كلها أمور أسمى من المادة، تأخذها على الأرض وتأخذ أعظم منها في السماء.

عندما تعطي، لا تُحقِّق كثيراً مع الذي تُعطيه. وإلاَّ كنت في موضع القاضي وليس العابد. لا تُحقِّق كثيراً لئلا تُخجِل الذي تُعطيه، وتريق ماء وجهه ... حَسنٌ أنك قد أعطيته حاجته، فاعطه أيضاً كرامة وعزة نفس، ولا تشعره بذلة في الأخذ.

وعندما تُعطي إنسَ أنك قد أعطيت. ولا تتحدَّث عمَّا فعلته، بل لا تُفكِّر فيه. ولعلَّ هذا بعض ما قصده السيد المسيح حينما قال في العطاء: " لا تجعل شمالك تعرف ما تفعله يمينك ". وإن تذكَّرت قُلْ لنفسك: أنا لم أعطِ هذا الإنسان شيئاً، بل هو الذي أعطاني فرصة لأسعد بهذا الأمر. إن الأُم عندما تُعطي ابنها حناناً إنما تسعد هى نفسها بهذا الحنان. وهى عندما ترضعه، إنما تشعر براحة، رُبَّما أكثر من راحته هو في الرضاعة. لذلك فإن عمل الحُب هو عمل متبادل، يأخذ فيه الإنسان أثناء إعطائه لغيره.

كذلك عندما تأخذ احذر من تأخذ شيئاً من الشيطان ولا من جنوده. والشيطان عندما يُعطي، يأخذ أكثر مِمَّا يُعطيك. قد يُعطيك لذَّة الجسد، ويأخذ منك كرامة الروح. قد يُعطيك كرامة أمام الناس، ويأخذ منك فضيلة الاتضاع. أو يعطيك اللهو والعبث، ويسحب منك الحكمة والرزانة ... تخطئ إذن إن ظننت إنك تأخذ منه شيئاً.