ما بين السرعة والبطء

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

20/11/2011

جريدة الأهرام

 

 

هل من الصالح السرعة في العمل أم البطء فيه؟ إنه سؤال حيّر الكثيرين، وتعددت فيه الآراء وتناقضت، وبقى الناس حائرين. فنسمع أحد الشعراء يُشجع على التروي والتأني وهو مرحلة ما بين السرعة والبطء فيقول:

 

قد يدرك المتأني بعض حاجته

...

وقد يكون مع المستعجل الذللُ

 

ولكن هذا الكلام لا يعجب شاعراً آخر فيرد عليه قائلاً:

 

وكم اضرّ ببعض الناس بطؤهم

...

وكان خيراً لهم ولو أنهم عجلوا

 

وهكذا بقى الأمر كما هو موضع حيرة: هل نبت في الأمر بسرعة؟ أم نتأنى ونتروى؟ فما هو الحل؟!

ولاشك أن كثير من الأمور لا يمكن أن تقبل التباطؤ. وقد يكون البطء فيها مجالاً للخطر والخطأ. ويحسن فيها البت السريع.

فمثلاً التباطؤ في معالجة بعض الأمراض الجسدية، قد ينقلها إلى مراحل من الخطر، يصعب فيها علاجها أو يستحيل... وبالمثل في مسائل التربية. حيث يؤدي التباطؤ في تقويم الطفل أو الشاب إلى افساده بينما لو عولج في طفولته بالهداية لكان الأمر سهلاً مثل غصن الشجرة الذي يمكن عدله في بادئ الأمر، أما إذا تقادم فإنه يتخشّب ويصعب تعديله.

وفي ذلك قال الشاعر:

 

إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت

...

ولا يلين إذا قومته الخشبُ

 

وعلى ذلك لا يصح أن يتباطئ إنسان في التوبة. لأن كل أمر يمر عليه في الخطيئة، إنما يزيد استعبادها له. فيتحول الخطأ إلى عادة. وقد تتحول العادة إلى طبع. وحينئذ قد يحاول الخاطئ أن ينحل من رباط خطيئته أو شهوته فلا يستطيع. أو قد يستطيع بنعمة الله أن ينحل من هذه الرباطات بعد مدة، ولكن بمرارة وصعوبة، وبعد جهاد مميت... كل ذلك لأنه تباطئ في توبته وفي معالجة أخطائه.

هناك إذاً مواقف تحتاج إلى بت سريع وإلى حزم، قبل أن تتطور إلى أسوأ، وقبل أن يسبق السيف العزل. وبعض التصرف السريع قد يكون مؤلماً، ولكن يكون لازماًً بقدر ما يكون سريعاً وحاسماً. وهناك علاقات ضارة وصداقات معثرة، ينبغى أن تؤخذ من أولها بحزم. كما قد توجد اتجاهات فكرية مخرّبة، أو اتجاهات سلوكية منحرفة. إن لم يسرع المجتمع في التخلص منها، فقد تقاسي من هذا التباطؤ أجيال وأجيال... ومن الناحية الأخرى هناك مواقف عكسية كثيرة تحتاج إلى التأني، ويتلفها الأسراع أو الإندفاع.

فمتى يصلح التباطؤ إذن؟ يعجبني ذلك القول الحكيم: " ليكن كل إنسان مسرعاً إلى الإستماع، مبطئاً في التكلم، مبطئاً في الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله "... نعم إن التباطؤ في الغضب فضيلة كبيرة. فإن الإنسان سريع الغضب، قد يصل به الغضب إلى الإندفاع. وفي إندفاعه قد يفقد سيطرته على أعصابه، أو قد يفقد سيطرته على لسانه، ويقع في أخطاء كثيرة...

لذلك احذر من أن تأخذ قراراً حاسماً في ساعة غضبك. لئلا تضر نفسك أو تضر غيرك. إنما حاول أن تهدئ نفسك أولاً. ثم بعد ذلك فكر وأنت في حالة هدوء. أو تباطئ في الوضع أو أجّل الأمر إلى أن تهدئ. فإن القرارات السريعة التي تصدر في حالة غضب، قد تكون غالبيتها عرضة للخطأ.

قد يُطلّق إنسان امرأته، إن أسرع بإتخاذ قرار في ساعة غضب. وقد يفقد أعز أصدقائه، وقد يتخلى عن عمله، بل قد يهاجر أيضاً من وطنه... كل ذلك لأنه أخذ قراراً سريعاً في ساعة إنفعال، دون أن يتباطئ ويفكر، ودون أن يؤجل الموضوع إلى أن يهدئ.

بل قد ينتحر إنسان ويفقد حياته، لأنه أسرع بإتخاذ قراراً ساعة إنفعال! أو قد يسرع بقتل غيره آخذاً بثأره منه. كل ذلك في ساعة إنفعال. لذلك من الخير أن يكون الإنسان مبطئاً في غضبه. وإذا غضب لا يقرر شيئاً بسرعة.

وإذا قرر إنسان شئياً بسرعة، فلا مانع من أن يرجع في قراره. أو قد يظن البعض أن الرجوع في القرار حينئذ، ليس هو من الرجولة أو من حسن السمعة... ولكن الحكمة تقتدي منّا أن يراجع الإنسان نفسه فيما اتخذه من قرارات سريعة.

اترك القيادة لعقلك لا لاعصابك. وإن أسرعت في التصرف في حالة إنفعال، تكون وقتذاك منقاداً بأعصابك لا بعقلك. وهذا خطر عليك وعلى غيرك.

أحذر أيضاً من أن تكتب رسالة إلى غيرك في ساعة غضب. لأنك ستندم على ما كتبته، ويؤخذ وثيقة ضدك. فإن لم تستطع أن تقاوم نفسك وكتبت مثل هذه الرسالة، فنصيحتي لك أن تتباطئ في إرسالها. أتركها على مكتبك يومين أو ثلاثة. ثم عاود قرأتها مرة أخرى. فستجد أنها تحتاج إلى تعديل وتغيير، أو قد تجد أنك قد أستغنيت عنها ولم تعد تتحمس لإرسالها.

إن التباطؤ في الغضب قد يصرفه. كذلك البطء في التكلم نافع ومفيد. استمع كثيراً قبل أن تتكلم. حاول أن تفهم غيرك، أو أن تلم بالموضوع إلماماً كاملاً. واعطِ نفسك فرصة للتفكير ولمعرفة ما ينبغي أن تقوله. حينئذ يكون كلامك عن دراسة وبهدوء فلا تخطئ. إن الكلمة الخاطئة التي تقولها، لا تستطيع أن تسترجعها مرة أخرى، فقد تسجلت وحسبت عليك.

على أن الإنسان يجب أن يكون مسرعاً في التوبة. ويجب أن يكون مسرعاً في إنقاذ غيره. فأنت لا تستطيع مطلقاً أن تبطئ في إنقاذ غريق، كما لا يستطيع المجتمع أن يبطئ في إنقاذ من هم في حريق. ولذلك فإن عربات الإسعاف، وعربات إطفاء الحرائق لها في غالبية البلاد وضع آخر في حركة المرور. فحياة الناس والحفاظ عليها، لا يصح لها الأبطاء أبداً.

كذلك في أمور الإدارة، هناك موضوعات لا بد من الحزم فيها بسرعة قبل أن تتحول الشكوى إلى تمرد، ويتحول التمرد إلى مظاهرات وإلى مشاحنات وما لا يليق. وأو أ