جاهد وإغصب نفسك

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

13/11/2011

جريدة الأهرام

 

 

الذي يُريد أن يسير في الطريق الروحي، كيف يبدأ؟ حقاً أن الحياة الروحية بمعناها السليم، هى أن الإنسان يحب اللَّه، ويحب الخير، ويحب الملكوت السماوي، ويحب جميع الناس، ويسلُك في طريق البِرِّ ونقاء القلب بكل رضا واشتياق، ويشعر أن عِشرته مع اللَّه هى ملء السعادة. وشهوة القلب. ولكن هل كل الناس يبدأون بهذا المستوى؟ كلا بلا شكّ.

هل محبة الإنسان للَّه قد تكون نهاية الطريق، وقمة العلاقة مع اللَّه. وليست هى نقطة البدء، بل عملياً يبدأ الشخص بمخافة اللَّه، كما قال الكتاب: " بدء الحكمة مخافة اللَّه ". فيستيقظ إلى نفسه. وتبدأ مخافة اللَّه تدخل إلى قلبه. فيخاف من دينونة خطاياه، ومن غضب اللَّه، ويخاف أن يأتيه الموت وهو غيرمستعد. وهذا كله يدعوه إلى أن يُغيِّر طريقه. ولكن كيف يُغيِّر طريقه؟ يُغيِّره بالتغصُّب لأن محبة اللَّه لا تكون قد ملكت على قلبه منذ البداية. وهكذا يكون التَّغصُّب هو نقطة البداية العملية في الحياة الروحية.

إنسان دخل جديداً في الطريق الروحي. لم يتدرّج بعد على الصلاة. ولم يتعوَّد الاستمرار فيها طويلاً. وليست له المشاعر الروحية التي تساعده على صلاة الحب والعاطفة والخشوع والتأمُّل. ولكنه يغصب نفسه على الصلاة. وإن حُورِب بإنهائها، يغصب نفسه على الاستمرار فيها. ففي الليل مثلاً يشعر أنه مُثقَّل بالنوم، وأنه مُتعب جسدياً وليست لديه قوة على الوقوف للصلاة. وليست له رغبة في ذلك. ولكنه يغصب نفسه على الصلاة والركوع والسجود، ويغصب نفسه على تركيز حواسه في الصلاة، ومنع ذاته من الشرود والسرحان.

قال أحد الآباء: إنك لو انتظرت إلى أن تصل إلى الصلاة الطاهرة الخاشعة النَّقية، ثم بعد ذلك تُصلِّي، فإلى الأبد لا تُصلِّي. كذلك أن الصلاة في كمالها ليست هى نقطة البدء، بل هى قمة العمل الروحي في الصلاة. إنما أنت، عليك أن تغصب نفسك على الاستمرار في الصلاة، حتى لو كنت مُثقَّلاً بالنوم. واللَّه ينظر إلى تعبك وجهادك وصبرك وإصرارك. ويشرق عليك بنعمته ويجذبك إلى كمال الصلاة.

نفس الوضع نقوله بالنسبة إلى كل فضيلة من الفضائل: وقد لا تبدأ ممارسة الصوم بمحبة الصوم، ولكن تغصب نفسك على ذلك. وقد لا يكون لك اشتياق إلى قراءة كتاب اللَّه والتأمُّل في كلماته. ولكنك تغصب نفسك على ذلك. وبالمثل تغصب نفسك على التوبة، وعلى التسامح، وعلى دفع نصيب اللَّه من مالك. وتغصب نفسك على ضبط الفكر، وضبط الحواس ... الخ.

ولكن لعلّ سائلاً يسأل: هل اللَّه يقبل الفضيلة التي بتغصُّب وهى خالية من الحُب؟! أولاً أقول لك إنها ليست خالية من الحُب. ولولا الحُب ما كنت تبدأ بها. ولكنه حُب مبتدئ، يقاومه عادات النفس القديمة، وتقاومه ارتباطات بالمادة والجسد. كما تقاومه محاربات الشياطين ومعطلات عديدة. واللَّه يقبل هذا التغصُّب باعتباره لوناً من الجهاد الروحي ومحاولة قهر النفس.

ثانياً إن الشخص قد يُمارس العمل الروحي بتغصُّب. ولكنه بعد حين يجد لذَّة في هذا العمل الروحي، فيكمله في حُب ويسعى إليه باشتياق قلب. وهكذا يكون التَّغصُّب هو مُجرَّد مرحلة روحية تنتهي بالفضيلة في وضعها الكامل.

ولكن الشيطان قد يهزأ بالتَّغصُّب. ويحاول أن يتخذه وسيلة لإبطال العمل الروحي جملة. فيقول لك هل من الأدب الحديث مع اللَّه بتغصُّب؟! أين الحب الذي قال عنه داود النبي للرب في صلاته: " باسمِكَ أرْفَعُ يَدَيّ، فتشبع نفسي كما من لحم ودسم "... وحينئذ يدعوك الشيطان أن توقف هذه الصلاة احتراماً للمثاليات التي تنقصها!! ولكن اللَّه يقبل صلاتك. كما يقبل الحروف التي يتلفَّظها الطفل بلا معنى في أولى درجات الكلام حتى يصل إلى الكمال. ويرى تحركات الطفل المتعثِّرة، على أنها أولى الخطوات للسير المنتظم السريع. إنه سبحانه لا يحتقر هذا التَّغصُّب بل يُشجِّعه كخطوات نحو نمو سليم. وبهذا لا يستمر التَّغصُّب تغصُّباً, بل يكون خطوة تتحوَّل إلى أفضل.

مثال آخر وهو العطاء والذي نُقدِّمه للمحتاجين: الوضع السليم أن نُعطي بسرور، ونُعطي بسخاء. فهل نوقف عطاءنا إلى أن نصل إلى هذا المستوى؟! وما ذنب الفقير أو المحتاج لعطائك، إن كنت لم تصل بعد إلى هذه الدرجة؟! إذن الوضع العملي هو أن تُعطي لغيرك ولو بشيء من التَّغصُّب. ثم يتطوَّر الأمر إلى أن تُعطي كل مالك للفقراء، وأنت مسرور بذلك ... ألست ترى إذن أن التَّغصُّب هو فضيلة مرحلية لا تستمر هكذا. وفي مجال التَّغصُّب نذكر أيضاً التداريب الروحية.

من فوائد التَّغصُّب: الانتصار على العادات الخاطئة وعلى الخطيئة التي انتصرت على الشخص زمناً وأذلته وإستعبدته. ولم يكن من السهل أن يتركها. إنما يحتاج إلى أن يغصب نفسه على ذلك. والتَّغصُّب هو بلا شك ثورة على تدليل النفس، أو هو حرب ضد الذات واشتياقاتها إلى رغبات مُعيَّنة، أو إلى محبة الراحة والاسترخاء.

ثم ألا ترى إننا أحياناً نحتاج إلى أن نغصب الأطفال في البدء الذين لم يتعوَّدوا الفضيلة. بينما لو تركناهم حسب هواهم، لكانت النتيجة الحتمية هى ضياعهم زماناً.

وكثير من الخاطئين لم يستفيدوا بسرعة. ولم يرجعوا إلى اللَّه حُباً. رجعوا إليه غصباً بتجارب وآلام متنوعة. فخير للإنسان إذن أن يغصب نفسه بإرادته على عمل الخير، من أن تغصبه التجارب أو الأحداث أو العقوبات.

أخيراً إجعل ضميرك هو الذي يغصبك، وليس القانون. وارتفع فوق مستوى القانون لتصل إلى محبة الخير.