أنواع من القتل

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

11/9/2011

جريدة الأهرام

 

 

وصية اللَّه واضحة وصريحة وهى: " لا تقتل ".

وعلينا أن نفهم مدلول هذه الوصية وتفاصيلها. لا شكَّ أنه ليس معناها فقط لا تقتل غيرك، وإنما أيضاً لا تقتل نفسك. وإن كانت كل خطية يمكن أن تكون خطيئة بالعمل أو بالفكر أو بالقول، يمكن أن ينطبق هذا أيضاً على خطيئة القتل. وإن كان القانون الجنائي يُعاقِب فقط على القتل بالفعل أو الشروع الفعلي في القتل، ولكن حُكم الضمير يمكن أن يُعاقِب على القتل بالفكر، والقتل بالنيَّة، برغبة القلب من الداخل. وهناك أيضاً قتل جزئي وقتل كُلِّي. هناك قتل للجسد، وقتل آخر للمعنويات، وقتل للسُّمعة. هناك قتل مباشر، وآخر غير مباشر، بالاشتراك أو بالتحريض ... كما أن هناك قتل للروح بإلقائها في جهنم.

وهنا يقف أمامنا سؤال وهو هل القتل في الحرب تدخل مسئوليته تحت وصية لا تقتل؟ ونجيب بأن الحرب إمَّا أن تكون عدوانية هدفها الإعتداء على دولة أخرى أو احتلالها وهذه ولا شكّ حرب خاطئة تختلف تماماً عن الحرب الدفاعية التي تجيزها الوصية. كذلك هناك نقطة هامة وهى نوعية الأسلحة التي تُستخدَم في الحرب. فهناك أنواع من الأسلحة لا تجيزها القوانين العالمية كالأسلحة الفتَّاكة أو المُدمِّرة أو التي لا تتفق مع قواعد الإنسانية. كذلك يمتنع الإعتداء على المدنيين والمستشفيات والمؤسَّسات الإنسانية، وعدم التعرُّض للأطفال والنساء ودور العبادة. من أجل ذلك كله فإنه بعد الحرب العالمية الثانية، أُقيمت محاكم دولية لمحاكمة " مجرمي الحرب " أولئك الذين اعتبروا مجرمين في حق البشرية.

كذلك يدخل في نطاق وصية " لا تقتل ": القتل بالتعقيم. وأحياناً في بعض العصور كان يُستخدم الإخصاء وهو نوع آخر من القتل الجزئي.

ومن أنواع القتل أيضاً: الإجهاض. الإجهاض هو عملية قتل لجنين، أي لمخلوق حي كاملاً لم يُولَد بعد. وإن تمَّ الإجهاض بطريقة طبية، فإن الطبيب يتحمَّل جزءً من المسئولية. على أن الهدف من إسقاط الجنين قد يُحدِّد نوعية المسئولية. ربما يكون الإجهاض خطيئة لستر خطيئة أخرى إذا كان الحمل سفاحاً. وقد يكون سبب الإجهاض هو عدم رغبة الأم أو الأب في النسل، وهذا لا يعفيهما من جريمة القتل. أو قد يكون سبب الإجهاض هو الخوف على صحة الأم إذا كانت الولادة تُهدِّد حياتها بالموت، فيموت الجنين الذي لم يُولَد بعد بدلاً من الأم الكائنة حية.

وتدخل في وصية " لا تقتل ": البغضة الشديدة التي تتمنَّى قتل إنسان. فبما أن القتل لم يتم بالفعل، إلاَّ أنه تم داخل القلب وداخل النيَّة. كذلك ليس القتل قاصراً فقط على الجسد بل هناك قتل معنوي منه عمليات التشهير وإضاعة سُمعة الغير وقيمته الأدبية ومركزه الاجتماعي بين الناس. وكل هذا نُسمِّيهِ بالقتل الأدبي.

نقطة أخرى هى قتل الشخصية: فيمكن لأبٍ قاسٍ أن يلغي بأوامره الشاملة شخصية ابنه، فينشأ معدوم الشخصية لا يستطيع أن يتصرَّف وحده في شيء. وهذا التَّصرُّف قد يفعله زوج مُستبد مع امرأته، أو رئيس عمل مع مرؤوسيه. يحدث هذا عن طريق سوء المعاملة أو تثبيط الهمة باستمرار، أو إشعار الإنسان في كل مجال بأنه عاجز وفاشل ولا يصلح لشيء!!

هناك أيضاً نوع من القتل الجزئي. ويدخل في هذا النطاق الإعتداء الجسدي والضرب والإيذاء، والتعذيب والتشويه. ومن الجائز أن إنساناً يعتدي على آخر فيحدث به عاهة مستديمة كأن يفقده بصره، أو يُشوِّه وجهه. وعملياً أن مَن يُعكِّر دم إنسان بإهانة أو إذلال، فإنه يحدث فيه قتلاً جزئياً عن طريق عمليات هدم خلايا وكرات دموية داخل جسده.

يوجد قتل غير مباشر، مثل قتل الأعصاب، بالإغاظة الشديدة والإثارة، حتى لا تقوى أعصابه على الاحتمال، فيثور أو يغلي في داخل نفسه. وربما يمرض من الحزن والألم والغيظ. فتظن القتل يا أخي معناه أن تطعن أحداً بسكين أو تضربه بالرصاص؟! كلا، ما أسهل أن تُحطِّم نفسه بتصرُّف فيه احتقار أو امتهان.

هناك نوع سلبي من القتل، وهو الامتناع عن الإغاثة. فإذا تعرَّض شخص للموت، وكان بإمكانك أن تنقذه ولم تنقذه، فأنت إذن مشترك في موته ... نقول هذا أيضاً عن إخوتنا في الصومال، إذا لم تعمل الدول الغنية على إنقاذهم مِمَّا هُم فيه. ونقوله أيضاً عن منع الغذاء لِمَن يحتاجون إليه لحياتهم، أو منع الدواء والعلاج عن الذين هم في مسيس الحاجة إليه.

هناك أيضاً قتل بالمسئولية: فقد لا يقوم شخص بنفسه بقتل الآخرين. لكنه يطالب بدمهم إن كان مسئولاً عن قتلهم أو عن الذين قتلوهم.

يدخل في نطاق وصية " لا تقتل ": الانتحار. فالانتحار هو جريمة قتل للنفس. والإنسان لا يملك نفسه حتى يتصرَّف فيها كما يشاء. والانتحار يشمل خطية أخرى هى اليأس وقطع الرجاء، وأيضاً عدم الاحتمال، وأيضاً عدم الإيمان بالمصير في الحياة الأخرى. والانتحار قد يلجأ إليه مجرم قاتل قُبِضَ عليه. ويخشى الطريقة التي سوف يقتلونه بها أو يخشى التعذيب قبل الموت.

ويدخل في موضوع الانتحار ما يمكن أن نسميه بالانتحار التدريجي أو الجزئي، فيما يستخدمه البعض من التدخين والمسكرات والمخدرات. فكلها تؤدِّي إلى موتهم ولو بالتدريج.

هناك أيضاً قتل الروح، بدفعها إلى الشهوات الخاطئة التي تفصلها عن اللَّه وتقودها إلى جهنم. سواء مَن يتسبَّب في ذلك عن طريق نشر البِدَع أو الإلحاد، أو مَن يعمل على استهواء وإغراء الجسد بخطية النجاسة القاتلة.