الإهتمام بالغير

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

15/8/2010

جريدة الأهرام

 

 

إن إهتمامنا بالغير هو مظهر عملي لمحبتنا للناس. وفي الإهتمام بالغير، لا يعيش الإنسان لنفسه فقط، بل يهتم بما لغيره كما يهتم بما لنفسه. وربما أكثر، إذ يؤثر غيره على نفسه، أو ينسى ذاته في محبته للآخرين. فهو يؤمن تماماً أن حياته ليست ملكاً له، إنما هى ملك للمجتمع الذي يعيش فيه. وفيما يهتم الإنسان الروحي بالكل، نراه يتعب ليستريح غيره. فهو يهتم بمشاعر الناس وفي محاولة إسعادهم. ويندمج معهم في مشاعرهم. دموع الناس تسير من عينيه وتسقط من جفنيه. وأفراح الناس تنبع من قلبه قبل أن تنبع من قلوبهم.

أول مَثَل قدمته لنا الطبيعة في الإهتمام بالغير، هو مثال الأمومة المحبة الحانية. فالأم تُفكِّر في طفلها أكثر مِمَّا تُفكِّر في نفسها. تسهر حتى تطمئن أنه قد نام. وتتعب لكي يستريح هو. ولا تتبرَّم بأي طلب يطلبه. تبتسم إذا ابتسم، بل أن إبتسامة هذا الطفل ترتسم على شفتي أمه قبل أن ترتسم كاملة على شفتيه. لقد أوجد اللَّه في قلب الأم عواطف الحُب والحنان والبذل والإهتمام بطفلها أكثر من الإهتمام بنفسها.

إن مشاعر الإهتمام بالغير تنزع من القلب الأنانية والإهتمام بالذات. فيرفض الإنسان تماماً أن يبني راحته على تعب الآخرين. بعكس ذلك الشخص الذي يلوث الجو بدخان سيجارته. ولا يعبأ في ذلك بأن الغير قد تؤذى صحته بتدخينه هو، ويضطر على الرغم منه أن يستنشق الدخان الفاسد الذي ينفثه المدخنون. ولهذا فإن شركات الطيران لا تُصرِّح للرُّكاب بالتدخين في كثير من الرحلات. ومن أمثلة غير المُهتمين بغيرهم: مَن يرفع صوته بطريقة تُعكِّر الهدوء، وتُعطِّل غيره عن التفكير أو القراءة. أو مَن يركن عربته في موضع تعاكس عربات غيره دون أن يبالي! ولكنها الأنانية التي لا تهتم بغيرها.

أمَّا الإنسان المُهتم بغيره، فلا مانع عنده من أن يتعب ليستريح الغير. وهو لا يطلب ما لنفسه. وإهتمامه بغيره ينبع من محبته للغير، وأيضاً من محبته للخير. والمُهتم بغيره لا يزاحم الناس في طريق الحياة. إنما يفسح لهم الطريق ليعبروا، ولا يمتنع في أن يتقدَّموا عليه. وهو يفعل ذلك بإهتمام وليس بمُجرَّد شكلية. إنه شعور ينبع من قلبه ويدفعه لبذل الجهد الذي يناسب إهتمامه.

والإهتمام بالآخرين يشمل العناية بهم من كل ناحية. سواء من الناحية المادية أو الإجتماعية، أو من الناحية الروحية، أو من جهة نفسيتهم ومشاعرهم وراحتهم، وحل مشاكلهم، واشعارهم بأن هناك مَن يسندهم ويقف إلى جوارهم. فإن كثيرين من الذين لا يهتم بهم أحد، يقول الواحد منهم: لا يوجد أحد يشعر بما أنا فيه، أو يحس بحالتي!!

والإهتمام بالغير يكون أحياناً في نطاق العمل. فهناك فرق بين موظف وموظف: الموظف الذي يهتم براحة الجمهور، يظهر إهتمامه في بذل كل الجهد لراحتهم، وبدون تأخير. أمَّا الموظف الروتيني، فإنه يماطلهم ويطلب إليهم أن يعودوا إليه في موعد آخر. وقد يضع العراقيل في طريق قضاء مصالحهم. ولذلك أتذكَّر أنني قلت ذات مرة: الموظف المتعاون يحاول أن يجد حلاً لكُلّ مشكلة. أمَّا الموظف الروتيني فقد يجد مشكلة لكُلّ حلّ!!

المهتم بالآخرين يظهر إهتمامه بالمساهمة في حل مشاكلهم. إذ يتعبر أن مشكلة الغير كأنها مشكلته شخصياً، ويهتم بحلها مهما كلَّفه ذلك من جهد. ويكون سعيداً إن وصل فيها إلى حل. لأنه يشعر بفرح فى إسعاد الآخرين، وانقاذهم مما هم فيه من ضيقات. ولاشك أن الناس يشعرون باهتمامه وإخلاصه، على الرغم من أن الأمر لا يدخل فى نطاق مسئوليته ولكن إهتمامه يترك فى نفوسهم أثراً عميقاً، فيحبون هذا الإنسان الذى يفكر فيهم وفى إسعادهم.

والاهتمام بالغير يمكن تطبيقه على مستوى الأسرة. حيث يبذل الزوج كل طاقته فى أن يهتم كل الإهتمام براحة زوجته وأولاده. وكذلك الزوجة تهتم كل الإهتمام براحة زوجها. ويهتم الاثنان براحة أولادهما. وانّ الإهتمام المتبادل فطبيعي أن لا تحدث إطلاقاً حوادث الطلاق التي نسمع عنها. إن مثل هذا الإهتمام في محيط الأسرة، أو بين كل أفراد المجتمع، هو ما يُسمّيه البعض بالعقد الإجتماعي. حيث يكون الإهتمام على المستوى الإجتماعي والشخصي. فيتدرب الإنسان في بيته على الإهتمام بأهله وإخوته وأقربائه بل وجيرانه أيضاً. وفي مكان عمله يتعوَّد كيف يهتم بزملائه. ثم يتطوَّر حتى يهتم بجميع الناس. ويعيش كإنسان نشيط في المجتمع يخدم الكل، ويصير إنساناً خدوماً يحب الجميع. وبإهتمامه بهم يجذبهم أيضاً إلى محبته. وهذا الإهتمام بالغير يشغل فكر الإنسان المُحب ويشغل عواطفه، فيتناوله بجدية ولا يهمله مطلقاً. هناك فرق بين إنسان تطلب تدخله في مسألة مُعيَّنة، فيقول لك: " أنا فاكر موضوعك ". وبين آخر يقول لك: " أنا مهتم بموضوعك "، ويظهر اهتمامه هذا عملياً. إنسان يهمك أمره. فتُقابله باهتمام، وتُكلِّمه بإهتمام، وتعامله بإهتمام. ويظهر إهتمامك به فى طريقة لقائك به وفى تحيتك له، وفى عدم إحراجه حينما تساعده. إن إهتمامك بالغير يظهر فى ملامح وجهك، وفى نبرات صوتك. إنه إهتمام يشعر به من يتعامل معك، دون أن تعلن له أنك مهتم به وبما يعرضه عليك من موضوعات.

يظهر إهتمامك بالغير أيضاً دون أن تطلب هذا منه. فهناك شخص قد يكون فى خطر وهو لا يشعر بذلك. وقد يحتاج إلى إنقاذ دون أن يعرف إلى من يلجأ. ويصل إليك موضوعه بطريق غير مباشر. فتهتم به وتنقذه دون أن يطلب. ويظهر الإهتمام بالغير أيضاً فى الأمور الروحية. فقد يكون شخص غارقاً فى عمق الخطية. وهو لا يطلب الخلاص منها، لأنه لا يريد ذلك. وتهتم أنت بخلاصه دون أن يسألك معونة فى ذلك. وتعمل كل ما تستطيع لكى تقوده إلى التوبة، بكل حب واحتمال وطول أناة. هذا النوع هو الإهتمام الروحي. وقد يكون من عمل الرعاة والمرشدين الروحيين كما يكون من عمل الإجتماعيين الذين يهمهم سلامة أفراد المجتمع من الضياع. مثال ذلك المهتمين بعلاج المدمنين وإنقاذهم من الإدمان.

وأنت أيها القارئ العزيز لعلك تشارك في الإهتمام بالغير من أي نوع يصل إليك.