الذي يُحب، يحتمل

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

3/10/2010

جريدة الأهرام

 

 

لا أريد في هذا المقال أن أُحدِّثكم عن الإحتمال بصفة عامة. فالإحتمال موضوع طويل، وله أسباب عديدة. وهناك مَن يحتمل بسبب اتصافه بالوداعة والهدوء. وهناك مَن يحتمل بسبب تواضعه، أو بسبب الحكمة وتجنُّب عواقب الأمور، أو لأسباب أخرى. ولكن موضوعنا الآن هو الإحتمال بسبب المحبة ... المحبة التى تحتمل كل شيء. فالذى يحب شخص، يكون مستعداً أن يحتمل كل تصرفاته، كما أنه يحتمل من أجله.

ومن أمثلة المحبة التى تحتمل: محبة الأمومة والأُبوة: محبة الأم التى تحتمل متاعب الحمل والولادة والرضاعة، ومتاعب الصبر في تربية الطفل والعناية به، في غذائه وفي نظافته، وفي الاهتمام بصحته، وفي تعليمه النطق والكلام، وفي الصبر على صراخه وصياحه وعناده ... إلى أن يكبر. كذلك محبة الأب في تربية أبنائه، واحتماله مشقة العمل بكافة الطرق للإنفاق عليهم وتوفير كافة احتياجاتهم.

ومن أمثلة المحبة التى تحتمل: محبة الجنود لوطنهم. فمن أجل محبة الوطن، يحتملون مشاق التدريب والحرب، والتعرُّض للموت أو للإثارة. وربما يحتملون فقد بعض أعضائهم، مع جروح أو تشوهات. ونفس الوضع نقوله على ما يتحمله رجال الشرطة لحفظ الأمن.

ومن أمثلة المحبة التى تحتمل، احتمال الشهداء والنساك من أجل محبتهم للَّه. وأيضاً ما احتمله الرسل والأنبياء من الأتعاب في نشر الدين. كل ذلك بصبر كثير، وفي شدائد وضيقات، وفي أتعاب وأسهار وأصوام...

ننتقل إلى الحديث عن محبة الغير واحتمال تصرفاتهم: فنذكر المحبة التى تحتمل الغير وتسامحه. والتى تحتمل الإساءة، ولا ترد بالمثل. والمحبة التى لا تشكو من المسيئ ولا تُشهر به. المحبة التى تنسى الإساءة، ولا تخزنها في ذاكرتها كما يفعل البعض لشهور وسنوات. المحبة التى لا تقول باستمرار: هذه حقوقي وهذه كرامتي!

المحبة التى تحتمل، هى محبة الشخص صاحب القلب الكبير الواسع. الذي يحتمل العتاب ولا يتضايق. حتى لو كان العتاب بألفاظ صعبة. وبقلبه الكبير يحتمل حتى الفكاهة، ولو كانت بأسلوب يبدو فيه التهكُّم.

على أن يكون الاحتمال بغير ضجر ولا تزمُّر ولا ضيق. بل بصدر رحب، وروح طيبة. لا يتمركز فيه الإنسان حول ذاته وحول كرامته. فطبيعى أن المحبة لا تطلب ما لنفسها. وبالتالي تحتمل كل شيء. ولا تحتد ولا تثور. المحبة التى لا تتفاخر بل تحتمل.

بعض الناس لا يحتملون الذين لا يفهمونه. ومن هنا كانت مشكلة الأذكياء مع الجهلاء، أو مع الأقل منهم فهماً. لذلك يحدث أحياناً أن يبتعد مثل هؤلاء الأذكياء عن كثير من الناس الذين لا يفهمون بسرعة. وقد لا يحتمل الواحد منهم طول الوقت في إقناع غيره، فيتحاشاه. أما الذى في قلبه حب، فإنه يطيل أناته على غيره، ويصبر. وهكذا يضم إليه القليل الفهم ويحتمله، بل يرجو منه خيراً ... وهكذا يتعامل مع الأطفال.

القلب الضيق الخالي من الحب، هو الذي لا يحتمل الآخرين. أمَّا القلب الواسع فيستطيع أن يحتمل الناس. لذلك يا أخي كُن متسعاً في قلبك وفي صدرك وفي فهمك. ولا تتضايق بسرعة. واعرف أن المجتمع فيه أنواع مُتعدِّدة من الناس. وليسوا جميعاً من النوع الذى تريده. فيوجد فيهم كثيرون لم يصلوا بعد إلى المستوى المثالي، ولا إلى المستوى المتوسط. وعلينا أن نحبهم جميعاً. وبالمحبة ننزل إلى مستواهم لنرفعهم إلى مستوى أعلى. وهكذا نتأنَّى عليهم ونترفَّق بهم. ونحتمل كل ما يصدر عنه من جهالات، ونصبر عليهم حتى يصلوا.

لا تقُلْ: " الناس متعبون ". بل بمحبتك تتعامل معهم، وتحاول أن تصلح من طباعهم. ولو كنت لا تتعامل إلا مع المثاليين، فعليك أن تبحث عن عالم آخر تعيش فيه.

في إحدى المرَّات قال لي شخص: " أنا لم أعد احتمل ( فلان ) إطلاقاً. إنه شخص لا يطاق ولا يمكن احتماله! ". فقلت له: " وكيف إذن احتمله اللَّه منذ ولادته حتى الآن؟! وكيف احتمل غيره من أمثاله منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا؟! ".

وقال لي آخَر: " ( وفلان ) يقول الكلمة ويرجع فيها. فكيف يمكن أن أعاشره؟ إن عشرته لا تحتمل ". فقلت له: " وكم مرة تعهدنا للَّه بشيء، ورجعنا في كل تعهداتنا؟! وكم مرة وعدناه ولم نفِ بوعودنا؟ ومع ذلك احتملنا اللَّه!! كم مرة نذرنا للَّه نذوراً ولم نفِ بها. وكان اللَّه يعرف ذلك لمعرفته بالمستقبل. ومع ذلك حقَّق لنا ما كنا نطلبه في نذرنا ".

وكم مرَّة قدمنا للَّه توبة كاذبة. ونعود بعدها إلى خطايانا السابقة؟! ومع كل ذلك يحتملنا اللَّه، ويطيل أناته علينا، حتى نعود ونتوب مرة أخرى.

وكم مرَّة يأتي موعد الصلاة. ونقول ليس لدينا وقت الآن لنُصلِ. يقول التراب والرماد للخالق العظيم ليس لديَّ وقت أُكلِّمك فيه!! ويحتمل اللَّه هذا التراب.

فإن كان اللَّه يحتملنا في كل هذا، فلماذا لا نحتمل غيرنا؟!

نقطة أخرى وهى أن الذي يحب اللَّه، لا يتضايق إذا صلَّى، ولم يشعر بإستجابة الصلاة. فيشك في محبة اللَّه وعنايته، ويظن أن اللَّه قد نسيه! بينما اللَّه يعمل دائماً في الوقت المناسب حسب حكمته. كذلك الشخص المُحب للَّه يحتمل التجارب والمشاكل. ولا تتزعزع محبته مهما طال وقت التجربة، ومهما إزدادت حدَّتها. بل يقول في ثقة: " كل الأشياء تعمل معاً للخير ", ويحتمل ولا يتعجَّل حل المشكلات. بل يعطي المشكلة مدى زمنياً يحلها اللَّه فيه، في الوقت المناسب الذي يراه اللَّه مناسباً. وبالطريقة التي يراها اللَّه مناسبة.

وهكذا بالمحبة يحتمل الناس، ويحتمل صبر اللَّه في علاج مشكلاته.