إجلس إلى نفسك وحاسبها

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

21/2/2010

جريدة الأهرام

 

 

إذا أردت أن تتوب، أو أن تكون أميناً فى علاقتك مع الله، فعليك بين الحين والحين أن تجلس إلى نفسك. فلماذا؟

فأنت إما أنك لا تشعر بما أنت فيه من خطر. لا تعرف حالتك بالضبط، ولا تدرك أخطاءك ولا عمقها وبشاعتها. لأن دوامة المشغوليات والاهتمامات تجذبك إليها باستمرار، وأنت غارق فيها تماماً... ليس لديك وقت أن تفكر فى نفسك وفى روحياتك. وربما لا يخطر هذا الموضوع على فكرك! إذن فأنت محتاج أن تجلس إلى نفسك وتفحصها وتراقبها، لكى تدرك مستوى ما أنت فيه من الروحيات أو مستوى بعدك عنه.

أو ربما إنك تعرف أخطاءك، أو تعرف البارز منها. ولكن ليس لديك وقت ولا فرصة، لكى تفكر كيف تترك تلك الأفكار، وكيف تعالجها. وقبل أن يدور بذهنك أن تعالج خطاء معيناً تكون قد وقعت فى غيره أو فى ماهو أشد منه... والأخطاء والخطايا تحيط بك من كل ناحية، وليست هناك فرصة للتخلص منها. إذن فأنت محتاج أيضاً أن تجلس إلى نفسك لكى تعالج ما يحتاج فيها إلى معالجة.

وكما يحتاج المريض إلى كشف أشعة وأجهزة تحاليل لكى يعرف ما يدور فى داخله بالضبط ونوعية ومدى خطورة أمراضه، وهو يحتاج أيضاً أن يعرف العلاج وممارسته لكى يشفى. وأن يتابع هذا العلاج مع طبيب حكيم خبير بالأمراض وعلاجها. وهذا لا يتأنى بالمريض. إلا إذا انتزع نفسه من مشغولياته وذهب للكشف... هكذا الجلسة مع النفس.

هذه الجلسة الروحية مع النفس هدفها تنقيتها. وذلك بأن يكتشف الشخص خطاياه وضعفاته، ويلوم نفسه عليها. ثم يعرف أيضاً أسباب سقوطه، سواء أكانت أسباب خارجية تضغط عليه، أو أسباباً داخلية يسعى فيها هو نفسه إلى الخطية، أو هى طباع وعادات أو تأثرات بآخرين... ويحاول فى كل هذا أن يتحاشى ما يبعده عن حياة التوبة والنقاوة. ويعزم عزماً قلبياً أكيداً أن يترك أخطاءه بكل رضى وأقتناع داخلى.

والإنسان الروحى لا يقصر جلسته مع نفسه على بحث الماضى والندم عليه وتبكيت النفس على أخطائها. إنما عليه أيضاً أن يفكر فى مستقبله الروحى، ويضع كذلك خطة حكيمة من واقع حالته واختباراته. ويصمم فى أعماقه أن يسلك فى ذلك بتدقيق شديد وبجدية والتزام... وفى كل ذلك يطلب من الله نعمة وقوة لكى يسلك حسناً فيما بعد.

وإنى أنصح بهذه المناسبة، أن الشخص الذى ينوى أن يحيا حياة بارة فى المستقبل، لا ينفعه أن ينتهز هذا الشعور فيقدم لله تعهدات ونذوراً أنه سيفعل كذا وكذا! كما لو كان له ثقة أو عزور بقدرته الشخصية الذاتية حتى أن البعض يقول فى جلسته هذه افعل بى يارب ما تشاء من الويلات إن رجعت إلى هذه الخطية مرة أخرى!... فما أكثر من وعد الله وعوداً، ولم ينفذ. ثم عاد يقول فى حزن:

 

كما وعدت الله وعداً حانثاً

 

ليتنى من خوف ضعفى لم أعد

 

إنما الأمر لا يعد أن يكون مجرد رغبات مقدسة، تعرض فيها إرادتك وعزمك على الله، ليعطيك قوة على التنفيذ. لأنك بدون معونته لا تستطيع أن تفعل شيئاً. وهكذا تندمج جلستك مع نفسك لتكون جلسة صلاة تطلب فيها القوة.

ولاشك أن الشيطان يقاوم بكل قوته جلوسك مع نفسك، لأنه يخشى أن تقلت من سيطرته عن طريقه. إما أنه يخشى فى جلوسك مع نفسك، أن تدرك سوء حالتك الروحية فتفكر جدياً فى التوبة، وبهذا تفلت من يده. وإما أنه يخشى فى جلوسك مع نفسك، أن تطلب معونة من الله، وأن تنال منه قوة روحية لا يقوى الشيطان على مقاومتها... والشيطان جرب كيف أن كثيرين جلسوا إلى أنفسهم فتابوا. مثال ذلك القديس أوغسطينوس الذى لم يستطع أن يتوب وهو فى دوامة المشغوليات، ودوامة الأصحاب، ودوامة الفلسفة والفكر... لكنه لما جلس إلى نفسه تلك الجلسة الروحية العميقة، استطاع أن يصل إلى الإيمان وإلى التوبة وأن يرجع إلى الله ويفلت إلى الأبد من قبضة الشيطان. ولم تكن مجرد جلسة عادية، إنما هى جلسة مصيرية.

لذلك فالشيطان يقاوم جلوس الإنسان مع نفسه وذلك بأمرين: أما أن يمنع جلوس الإنسان مع نفسه، بأن يقدم له عشرات من المشغوليات ومئات من الأفكار، ويذكره بأمور تبدو أمامه هامة جداً، ويجب أن يتفرغ لها. وكل ذلك لكى يعود إلى دوامته مرة أخرى. مثال ذلك إذا انتهزت فرصة بداية عام جديد من حياتك لتجلس مع نفسك، يمكن للشيطان أن يعمل على شغل هذه المناسبة بالحفلات والمجاملات حتى تنشغل بذلك ولا تخلو للتفكير بنفسك.

ولكنك إذا أصررت على الجلوس إلى نفسك وفحص تصرفاتك وحياتك، ووجدت فرصة لذلك، وابتعدت عن المشغوليات ولو إلى حين، حينئذ تكون خطة الشيطان أن يجلس معك أثناء جلوسك مع نفسك. فهو لا ييأس أبداً. وفى اشتراكه معك فى جلستك الروحية، يقدم لك أفكاراً وأحاسيس من عنده بأن يمنعك من تبكيت نفسك على أخطائها، ويخفف من مشاعر ندمك، فإن تذكرت آية خطية، فبدلاً من أن ينسحق قلبك بسببها وتوبخ ذاتك، يقدم لك الشيطان عنها اعذاراً وتبريرات، بمحاولة لتدليل النفس ومجاملاتها، أو تخفيف المسئولية عنها بالقائها مثلاً على الوسط الخارجى أو الآخرين... وكل ذلك لا ينفعك روحياً، ولا يقودك إلى التوبة. إن لومك لغيرك لا يبررك، حتى لو كان ذلك الغير ملوماً فعلاً. لهذا يجب أن تركز على ما فعلته أنت لأنك مطالب به. وأنت لا تنال المغفرة بالتبريرات وإنما بالتوبة وإدانة النفس.

ولعل من حيل الشيطان أيضاً، أن يقلل لك من خطورة خطاياك. ولا يجعلها تبدو على حقيقتها فى بشاعتها، كما لو كانت شيئاً بسيطاً لا تستحق أن تحزن بسببه وتندم. وما أسهل أن يسمى لك الخطايا بغير أسمائها. أو يفلسف الخطية ويحاول أن يخفيها وراء سلامة القصد وحسن النية! وفى كل هذا يقودك إلى الاستهانة واللامبالاة ولا يساعدك على التوبة، بل ربما يدفعك إلى الاستمرار فيما أنت فيه. أما أنت فحينما تجلس مع نفسك حاسبها بكل حزم. وافحصها بدقة، واطمئن باستمرار على نقاوتها.