اللَّه القوي

القادر على كل شيء

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

12/12/2010

جريدة الأهرام

 

 

من صفات اللًَه ـ جل جلاله ـ أنه قوي ( قدير ). وقوة اللًَّه قوة عجيبة غير محدودة، وتشمل كل شيء. وهى أولاً قوة ذاتية أي أنها صادرة من ذاته الإلهية. وليست مثل قوة الملائكة، أو قوة بعض البشر. فكل هؤلاء مصدر قوتهم من اللَّه خالقهم.

إن قلنا إن العقل البشري له قوة هائلة استطاعت أن تصل إلى الفضاء، وأن تقوم بإختراعات مذهلة قد تفوق الخيال مثل الطائرات، ومركبات الفضاء التي تصل إلى القمر، والطائرات التي بدون قائد، واستخدام الفاكس والكمبيوتر والـ mobile phone، وما يُستخدم في مجال الطب والصناعة وعلوم الفضاء والبحار، واستخدام الذرَّة والليزر، وما إلى ذلك ... فإن العقل البشري هو أيضاً من صُنع اللَّه، ومواهبه منحة من اللَّه أيضاً. وحتى إن أُتيح لبعض البشر من الأنبياء والرسل والأبرار أن يصنعوا بعض المعجزات، فذلك أيضاً ليس بقوتهم الشخصية وإنما بموهبة ممنوحة لهم من اللَّه.

ونفس الوضع نقوله عن قوة الملائكة، الذين يمكنهم أن ينتقلوا من السماء إلى الأرض في لمح البصر، وأن يقوموا أحياناً بأعمال معجزية يُكلِّفهم اللَّه بها ... وكل ذلك ليس بقوة ذاتية منهم، إنما بطبيعة وموهبة منحها اللَّه ... أمَّا اللَّه فقدرته ذاتية. بعكس الملائكة والبشر الذين بدونه لا يقدرون أن يفعلوا شيئاً.

أيضاً من صفات قوة اللَّه التي ينفرد بها، أنه قادر على كل شيء. وهذه صفة خاصة باللَّه وحده. ومن تواضع اللَّه في قوته أنه منح بعض الملائكة والبشر قدرات مُعيَّنة، ولكنها ليست قدرات على كل شيء. وحتى الطبيعة أيضاً، قد يستطيع زلزال أن يهدم منطقة بأثرها ولكنه لا يقدر على كل شيء. وحتى الشياطين: قدرتهم أيضاً محدودة. ويستطيع اللَّه في أي وقت أن يوقف عملهم. ولا ننسى أن هذه الأرواح الشريرة هى من خلق اللَّه، وإن كان لم يخلقها شريرة في البدء، إنما بحرية إرادتهم انحرفوا وتحوَّلوا إلى شياطين. وهم أيضاً تحت عقوبة اللَّه، وسوف يلقيهم في النار المؤبدة المعدَّة لإبليس وأعوانه.

ومن أعظم الدلائل على قوة اللَّه التي لا تُحد: قدرته على الخلق. والمقصود بالخلق أنه يوجد كائنات من العدم. وهذا أمر لا يستطيعه أحد على الإطلاق. فأقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان، أن يكون صانعاً أو مكتشفاً، يكتشف طبيعة الأشياء وخواصها، ويصنع منها ما يستطيعه عقله. أمَّا الخلق أي الإيجاد من العدم فهى قدرة اللَّه وحده. وبخاصة قدرته العجيبة على خلق أنواع عجيبة من الكائنات، سواء من الجمادات أو الأحياء، ما يُرى ولا يُرى، مِمَّا لا يستطيع إحصاءه أي عقل بشري.

ومعجزة أخرى مذهلة هى إقامة الموتى. وتصل هذه المعجزة إلى وضع فوق عقولنا جميعاً. وأعني إقامة الأموات كلهم في اليوم الأخير. ملايين الملايين في كل بقاع الأرض، مِمَّن قد تحلَّلت أجسامهم وعظامهم وتحولت إلى تراب!! وتقوم كلها في وقت واحد وتدخل فيها أرواحها. وتقف أمام اللَّه في يوم الدينونة الرهيب، ليُجازي كل منها حسب أعمالهم. ومعروف أن هاتين المعجزتين، أعني الخلق وإقامة الأموات، هما فوق العقل البشري، وفوق كل علومه.

أضيف إلى ذلك باقي المعجزات والأعاجيب التي قام بها اللَّه. نذكر من بين ذلك منح البصر للعُميان، وشفاء الأمراض المُستعصية، وشق البحر الأحمر، وغير ذلك من الأعاجيب، التي سمح أن تحدث على أيدي بعض البشر أو الملائكة، بقوته الممنوحة لهم.

تظهر قوة اللَّه العجيبة أيضاً في معرفته. فهو يعرف جميع الخفيات والظاهرات. ويعرف كل ما في السماء وما على الأرض وما تحت الأرض أيضاً، وما في شقوق الجبال. ويعرف ما يدور في عقول البشر، كل البشر، من أفكار، وما في قلوبهم من مشاعر، وما في إرادتهم من نيَّات ... إنها معرفة عجيبة، خاصة باللَّه وحده، تدل على قدرته على كل شيء.

وقوة اللَّه العجيبة تظهر أيضاً في محبته وعطائه. فهو يعطي كل شيء. ويعطي الجميع بسخاء. ويعطي قبل أن نطلب، ودون أن نطلب، وفوق ما نطلب. يفتح كوى السماء ويفيض على الناس من إحساناته. يعطي البشر، ويعطي أيضاً جميع الكائنات الحية التي تسكن الأرض أو البحار أو الهواء. وحتى الدودة التي تدب تحت حجر يعطيها أيضاً طعامها. ما أعجب قدرة اللَّه وما أعجب قوته في حنوه وعطفه على الكل.

ما أعجب قدرة اللَّه أيضاً في احتماله: هذا الذي يحتمل كل أخطاء البشر وشرهم وفجورهم، وكسرهم لوصاياه، ويحتمل إلحاد البعض منهم. ونحن الذين لا نستطيع أن نحتمل بعض إساءات إخوتنا لنا. بل بتأثر وحساسية شديدة نغضب ونثور. بينما اللَّه يحتمل كل هؤلاء في صبر. بل أكثر من ذلك احتمل كثيرين من الذين تعمَّقوا في الخطية. وصبر عليهم بشكل عجيب حتى تابوا وصاروا أبراراً.

بل قوة اللَّه أيضاً تظهر في مغفرته. إنه صعب على البشر أن يغفروا للمسيئين إليهم. وإن غفروا ربما لا يستطيعون أن ينسوا. وإن خيّل أنهم قد نسوا، يعودون فيتذكرون كل الإساءات القديمة إن تعرَّضوا لإساءة جديدة! أمَّا اللَّه فهو في قوة مغفرته، يغفر القديم والجديد، لمجرَّد توبة الإنسان.

إنني لا أستطيع أن أحصي كل عناصر قوة اللَّه وقدرته الفائقة، وقوته أيضاً في تدبيره وفي حكمته، وفي أمور أخرى لا يتسع لها المجال ... ولكننا في كل ذلك نفرح أننا في حماية إله قوي تشمل قدرته كل شيء ... في حماية إله يقدر أن يحفظ، وأن ينقذ، وأن يحمي خليقته من كل شر ومن كل ضرر ... وفي قدرته أيضاً أن يضع حداً لكل أعمال الشيطان وكل أعوانه من الناس الأشرار. فهو إله لا يعسر عليه شيء. وكل ما هو غير مستطاع عند الناس، هو مستطاع عند اللَّه القادر على كل شيء. لذلك يمكن أن يحيا الناس في رجاء واطمئنان وسلام قلبي، واثقين بقدرة اللَّه وتدخله.