الروح وليس الحرف

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

4/7/2010

جريدة الأهرام

 

 

المقصود بوصايا اللَّه هو روح الوصية وليس مُجرَّد حرفيتها. ولكن هناك وصايا واضحة جداً من جهة الحرف مثل وصية: لا تقتل، أو لا تزنِ، أو لا تسرق. ويمكن الدخول في بعض تفاصيل هذه الوصايا مثلاً. وتبقى حرفيتها قائمة. وكما تقول القاعدة: " لا إجتهاد مع النص ". مادام النص واضحاً تماماً.

ونحن في هذا المقال نوِد أن نشرح روحياً المقصود ببعض الوصايا العامة التي لا يمكن الإكتفاء فيها بمُجرَّد النص وإنما يجب الدخول في عُمق روحانيتها.

من جهة العطاء ( أو الصدقة ): المفروض هو الروح وليس الحرفية. فالإنسان الروحي يعطي من قلبه بكامل حبه، قبل أن يُعطي من جيبه. فالعطاء إذن هو مُجرَّد تعبير عن المشاركة القلبية في إحتياجات الآخرين. ولا يُعطي الإنسان لمُجرَّد الإحراج أو لمُجرَّد تنفيذ الوصية، بغير مشاعر وبغير روح. وفي روح الوصية حينما تُعطِي يجب أن تعترف داخل نفسك بأن المُعطي الحقيقي هو اللَّه. وهو الذي أعطاك لكي تُعطِي غيرك، وهو الذي أعطاك الرغبة في العطاء. وأنت مُجرَّد موصل عطايا اللَّه للآخرين. لأنه ليس من عندك الذي تُعطيه، إنما هو من عند اللَّه. وهكذا لا يفتخر أحد إذا أعطى، وأيضاً روح العطاء يعني أنك تُعطي إخوتك في البشرية. فلا تدقق في الحساب معهم، ولا تعاملهم بطريقة سيئة كأنك تحسن إليهم! وإعرف أن القلب إن لم يشترك بحب وفرح في وصية العطاء، فيكون في عطائه مُجرَّد الحرفية وليس الروح.

نقول نفس الكلام عن الخدمة الإجتماعية: كثير من الناس يأخذون من هذه الخدمة حرفيتها أو شكليتها دون روحها. وينسون في ذلك أنها خدمة وليست مجالاً لإظهار الذات. ولا يجوز أن تختلط بحب السيطرة والنفوذ، أو أن تصبح مُجرَّد أعمال إدارية ومالية، دون روح. ويجب على العامل في الخدمة الإجتماعية أن يذكر أنه خادم للآخرين، وليس مُسيطراً عليهم.

فالصوم مثلاً ليس هو مُجرَّد الصوم عن الطعام. فهو في روح الوصية يحمل معنى ضبط النفس والإرتفاع عن مستوى شهوة الجسد. فقد يصوم شخص عن الطعام، ولا يصوم عن متعة جسده بالتدخين. وتبقى هذه العادة مسيطرة عليه على الرغم من صومه، وهو هنا يكون قد دخل في شكلية الوصية وحرفيتها دون روحها. وإن كان الصوم يحمل معنى المنع أيضاً، فالمفروض أن يشمل هذا المنع كثيراً من الأخطاء. فيمنع نفسه عن أخطاء كثيرة. وهكذا يدخل في صوم اللسان عن الكلام الرديء، وصوم العقل عن أخطاء الفكر. وصوم القلب عن الشهوات الرديئة ... وتصبح فترة الصوم هى تدريب روحي على خطايا كثيرة يُمتنع عنها أثناء صومهم. وبتوالي ذلك يتحوَّل هذا المنع إلى منهج حياة.

نقول ذلك لأن كثيرين يصومون ولا يستفيدون، لأنهم يسلكون في صومهم بطريقة حرفية شكلية، دون الدخول إلى روح الصوم وما يريده اللَّه منه. وهكذا قد يرجع البعض في نهاية فترة الصوم إلى عادته السابقة. ويذكِّرني ذلك بقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

 

رمضان ولَّى هاتها يا ساقي

...

مشتاقة تسعى إلى مشتاقٍ

 

ومعنى ذلك أنه لم يستفد من الصوم في منع نفسه عن زجاجة الخمر إلاَّ مؤقتاً. فما أن إنتهى صومه حتى عاد إلى إشتياقه إلى الشرب مرَّةٌ أخرى. فأخذ حرفية الوصية دون أن يدخل في روحانيتها. وهكذا نرى أن البعض كانت أجسادهم صائمة، بينما أرواحهم مفطرة.

كذلك السجود أيضاً: الإنسان الروحي لا يدخل في حرفية السجود، إنما في روحه. فليس السجود مُجرَّد إنحناء الجسد إلى الأرض، إنما أيضاً إنحناء الروح مع الجسد. فلا يقتصر الأمر على خشوع الجسد، إنما أيضاً خشوع الروح. والذي يكتفي بمُجرَّد حرفية المعنى من السجود دون روحه، لا يكتسب خشوعاً لا في الجسد ولا في الروح. وأنت يا أخي حينما تسجد أمام اللَّه، ليكن في قلبك وذهنك الشعور بأنك تراب ورماد، تنحنى أمام خالقك الذي صنعك ومنحك هذا الجسد الذي تسجد به.

أيضاً الصلاة حرفياً يظنها البعض أنها الحديث مع اللَّه. ولكن ما هى الصلاة الروحية؟ من واقع عبارة الصلاة، واضح أن معناها الصِّلة باللَّه. وقد يُصلِّي إنسان، أو يظن أنه يُصلِّي، بينما لا توجد هذه الصلة بينه وبين اللَّه!! إنه يُكلِّم اللَّه بشفتيه، أمَّا قلبه فمُبتعد عنه بعيداً! واللَّه يريد القلب قبل كل شيء ... أتظن يا أخي أنك تُصلِّي، بأنك تُحرِّك شفتيك أمام اللَّه؟! بينما تكون الصلاة بلا روح، ولا مشاعر، ولا خشوع، ولا اتضاع، وربما لا تعني عُمق ما فيها من ألفاظ. أتريد أن ترضي ضميرك من جهة الصلاة، حتى ولو كانت هكذا؟ أمْ تُصلِّي بروحك، وتُصلِّي بذهنك، وتقصد كل كلمة تقولها في صلاتك. صَدَق أحد الآباء الكبار حينما قال عن مثل تلك الصلاة التي بلا روح: " إذا حورِبت بمثل هذه الصلاة، فقُل لنفسك: أنا ما وقفت أمام اللَّه لكي أعدّ ألفاظاً!... ".

ذلك لأن كثيرين يهمهم أن يطيلوا الصلاة بغير فهم، ويفرحون بهذا! دون أن يدخلوا في عُمق المعاني التي في ألفاظ الصلاة. وبالمثل يفعلون ذلك في كل التراتيل والتسابيح ... المُهم عندهم هو الحرف وليس الروح ... وتستريح ضمائرهم لأنهم قاموا بواجبهم الروحي في العبادة ... بينما لم تصعد تلك الصلوات إلى اللَّه، ولا تلك التسابيح، لأنه في كل ذلك لم تكن هناك صِلة بينهم وبين ربهم، ولم تشترك الروح ولا القلب أثناء الصلاة.

وفي السلام أيضاً: غالبية الناس يُسلِّمون على غيرهم، وليس في قلوبهم سلام. إنما يأخذون من كلمة السلام حرفيتها فقط دون روح هذا السلام ... وما أكثر ما نقوله في هذا المجال من كلام، ومن تحيات، ومن مجاملات، لمُجرَّد الحرف وبلا روح. لذلك ينبغي أن يكون سلامنا مع الناس بالروح والحق، وبالحُب والتعاطف وحُسن التعامل. على أن يكون كل ذلك من عُمق القلب.

الناس أيضاً رُبَّما لا يفهمون معنى الراحة الحقيقية. فيظن الشخص أنه يهتم براحته الشخصية بينما المعنى الحقيقي أن يجد راحته في إراحة الآخرين. وفي راحة ضميره من نحو نفسه ومن نحو واجبه حيال غيره. إذن ما يتصف على المعنى الحرفي للراحة، بل على معناه الروحي إذ فيها يريح روحه ويُريح كل مَن يتصل به.