أهمية ردود الفعل

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

13/6/2010

جريدة الأهرام

 

 

كل عمل يعمله الإنسان له ردود فعل. بل أيضاً كل كلمة يقولها. ذلك لأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد. وينطبق هذا على كل ما يصدر عن الإنسان خيراً كان أو شراً. فردود الفعل تكون على الأرض وأيضاً فى السماء.

نرى هذا أيضاً فى العلاقات بين الناس بعضهم والبعض. فكل شئ له نتائجه: المحبة تلد محبة، والعداوة تلد عداوة. واللطف يلد لطفاً. بل أن ابتسامة منك فى وجه طفل، تطبع ابتسامة أخرى على شفتيه. والأدب والأحترام فى معاملة الناس، يكون من ردود فعله احترامه من جهته. أتذكر زميلاً لنا فى الدراسة كان لا يكلم أحداً إلا باحترام شديد. وكانت النتيجة أن الكل يقابلونه بالمثل. وإن خرج أحد منهم عن اللائق، كان ذلك الزميل يتصرف باسلوب رصين ورزين يجبر الآخر على تعديل سلوكه والالتزام بالاحترام فى معاملته. وأتذكر أيضاً أن ناظر مدرسة كان يعامل المدرسين بجفاء وبأسلوب قانونى بحت، فكان رد الفعل هو كراهية جميع المدرسين له. وقد سأل " لماذا يكرهوننى وأنا لم أخرج عن القانون فى معاملة أحد منهم؟! " وكان الجواب: أنت تعاملهم بالقانون وليس بالمحبة. بينما الناس لا يلجأون إلى القانون إلا إذا زالت المحبة من بينهم. ويقول المثل " إذا تراضى الخصمان استراح القاضى ".

إن الحزم يولد الانضباط، والتسيب يولد الفوضى. ولكن القسوة فى الحزم تلد كراهية أو عداوة. لذلك ينبغى أن يكون الإنسان حكيماً فى حزمه، لا يتطرف فيه إلى القسوة أو الشدة الزائدة عن الحد. وقد قلت مرة فى تأبين شخص عظيم منذ حوالى ستين عاماً:

 

يا قوياً ليس فى طبعه عنفُ
يا حكيماً أدب الناس وفى
لك أسلوب نزيه طاهر

 

ووديعاً ليس فى ذاته ضعفُ
زجره حب وفى صوته عطفُ
ولسان أبيض الألفاظ عفُّ

 

ينبغى للإنسان قبل كل كلمة يقولها، أن يفكر فى ردود فعلها. ويحسب حساباً لتأثيرها على من يسمعه ومدى انفعاله بها. ولذلك عليه أن يتحاشى الألفاظ القاسية، وعبارات التهكم، والكلمات التى لها أكثر من معنى، وقد تفهم من البعض على معنى سيئ. لذلك حاول فى حياتك الخاصة أن تنتقى ألفاظك، وتكون بميزان دقيق.

ومع الأطفال بالذات، ينبغى أن يكون المتكلم حريصاً. فالطفل من كلامك قد يأخذ عنك فكرة لا تستطيع نزعها منه. ويجب أن تكون صادقاً فيما تقوله أمامه. وأن توفى بكل وعد تعده به. ولا تهز المثاليات التى فى ذهنه بأخطائك فى الكلام. واحترص من شدة التوبيخ والانتقاد، فإن لها ردود فعل.

وكن رقيقاً. فالرقة لها رد فعل عميق فى من يتعاملون معها. أحياناً يكون الرجل رقيقاً جداً فى معاملته لخطيبته. وإذا ما تم زواجه بها، يظن ـ للأسف الشديد ـ أن الرقة هو لون من الكلفة، بينما قد زالت الكلفة بينهما بالزواج! وهذا خطأ شديد. لذلك احتفظ بإحترامك لزوجتك. وإستخدم الرقة واللطف لمعاملتها. بل والإحترام أيضاً. وسيكون رد الفعل لذلك طيباً جداً في نفسيتها. أتذكَّر في إحدى المرات ـ وأنا أسقف ـ أنه زارني أستاذ من جامعة كمبريدج ومعه زوجته. فكان يجعلها تتقدمه باستمرار. وكان يتحدث عنها بإحترام. ولا يذكر اسمها مجرداً وإنما معه لقبها. وكانت هى تحترمه بالمِثل. كذلك أذكر صديقاً لنا كان يتخاطب مع أبنائه بإحترام، حتى مع الصغار منهم. وكان أطفاله يحبونه، إن أنه كان يُشعرهم بقيمة شخصية كل منهم، وبتوقيره لمواهبهم.

هناك ألفاظ يُقال عن بعضها " مثل رجم الطوب ". وتأتي بعكس ما يريد صاحبها. وفي الإنجيل: " بكلامك تتبرر، وبكلامك تُدان ". حتى بالنسبة لرئيس العمل في معاملته لمرؤوسيه، يمكنه أن يوجههم ويشرح لهم أخطاءهم. ولكن بأسلوب غير جارح. فكل إنسان له مشاعره التي لا يقبل أن تُهان. ومن جهة ردود الفعل، يقول المَثل السائد: " اللي يشد ذيل القط، يخربشه ".

من أجل هذا عليك أن تدرس نفسيات الناس، وتعاملهم بما يناسبهم. فالزوجة أحياناً تطلب من زوجها طلباً وتظل تلح عليه إلحاح. وتكرر الإلحاح حتى يسبب له ذلك شيئاً من التَّبرُّم والضجر. ورُبَّما لا يحتمل المزيد من الإلحاح، فيثور أو يرفض، أو يرد بكلمة شديدة. وإن عرفت الزوجة أن هذا هو رد الفعل عند زوجها، عليها أن تحترص من الضغط على أعصابه بالإلحاح. ويمكن أن تُغير الطلب في مناسبة أخرى يكون فيها أكثر هدووءاً وأكثر استجابة . كذلك يحدث أحياناً أن المرأة فى بيتها تهمل ذاتها، ولا تهتم بزينتها أو جمالها. ويكون رد الفعل لذلك عند رجل ضعيف، أن تجذبه إغراءات من الخارج يجد أنها تفوق بيته جمالاً وشكلاً وأناقة. حقاً متى نرى بيوتنا لها الجاذبية التى تغنى الرجال والأبناء والكبار من طلب المتعة خارج البيت؟!

كثيراً ما نلوم الفتاة التى تفسد أخلاقها، وتستجيب لإغراء أحد الشبان وتخطئ معه. أو لتهرب من بيتها. وقد يكون ما تفعله هذه الفتاة هو رد فعل للمعاملة التى تلاقيها فى منزل الأسرة. حيث لا تجد حباً ولا حناناً، والقسوة فى المعاملة وانتهارها وكلاماً جارحاً. فتلجأ إلى طلب الحنان خارج البيت. وإن وجدته، تُسلم ذاتها وتسقط. ونصيحتنا إلى الآباء والأمهات، أن يشبعوا أبناءهم وبناتهم من الناحية العاطفية، وأن يبتعدوا عن القسوة والتقيدات الكثيرة. حتى لا يصير البيت بمثابة سجن عند الأبناء. ويكون رد الفعل هو الهروب أو الفساد.

يحدث أحياناً أن بعض رجال الدين لا يهتمون بالناحية الروحية لرعيتهم. ولا يفتقدون شخصاً إذا غاب وكثر ابتعاده عن بيت الله، دون أن يهتموا به أو يفتقدوه. ويكون رد الفعل أن يفتقده الشيطان أو الأصدقاء الأشرار. ويكون قلبه جاهزاً لهم مستعداً، ويضيع ذلك الشخص. نفس الأمر نقوله عن عدم أهتمام أى إنسان بروحياته فيكون رد الفعل أنه يضعف ويكون رد الفعل فى حياته أنه بإهماله الحرص يضعف، ويتعود أموراً تتحول فيه إلى طبع.