نظرتان إلى الأمور

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

7/11/2010

جريدة الاهرام

 

 

ظروف الحياة كثيرة، ويتعرَّض لها الكل. ولكن إنفعال البعض بها يختلف عن إنفعال البعض الآخر. البعض له نظرة بيضاء مستريحة متفاءلة، والبعض الآخر له نظرة سوداء حزينة متشائمة.

فمن جهة المشاكل لا يوجد أحد لا تُصادفه مشاكل. كل إنسان له مشاكله. ولكن البعض ينظر إلى المشكلة بنظرة سوداء مُعقَّدة، كما لو كانت مشكلته بلا حل ولا مخرج ولا منفذ. كما لو كانت ألماً دائماً وضياعاً. وأنه ليس له خلاص!!

أمَّا البعض الآخر الذي له نظرة بيضاء، فإنه يرى أن كل مشكلة لها حل. وأن الأمر ليس خطيراً وليس مُستحيلاً. وأن اللَّه لابد أن يتدخل في المشكلة ويحلَّها. وبهذه النظرة البيضاء، يُقابل المشكلة بأعصاب هادئة. ويرى أنها مجال لخبرة روحية سيدخل فيها. هذا من جهة خبرته الشخصية، وأيضاً من جهة خبرته مع اللَّه في حل مشاكله. وهنا نرى أن المشكلة واحدة ولكن تختلف النظرة إليها والإنفعال بها، أي يختلف الـ Response أي نوع إنفعاله بها أو تجاوبه معها. فهناك أُناس يسبب لهم بعض المشاكل أمراضاً صعبة: مثل ضغط الدم، أو السكر، أو تعب الأعصاب، أو تعب النفسية التي قد يصل الحد بها إلى إنهيار عصبي، أو بسبب المشكلة يُصاب بذبحة أو سكتة قلبية .. كل هذا بحسب درجة إنفعاله السيئ بها، وبحسب مقدار ضغطها عليه، وشعوره أنه قد إنتهى ولا خلاص! أمَّا صاحب النظرة البيضاء فيمزج المشكلة بالإيمان والرجاء، وثقته بوجود اللَّه أثناء المشكلة، ويد اللَّه العاملة. فلا يأبه كثيراً بالمشكلة ولا تعصره، ولا يسمح لها أن تضغط عليه. إنه أكبر من المشكلة. أمَّا صاحب النظرة السوداء فالمشكلة أكبر منه. ولذلك قد تقوده أحياناً إلى اليأس.

ننتقل إلى نقطة أخرى وهى نظرة الناس إلى المادة وإلى المال وإلى الجسد: فهناك شخص ينظر إلى المادة كأداة يخدم بها اللَّه والناس والمجتمع كله. وهناك شخص آخر ينظر إليها كوسيلة لخدمة شهواته. المادة هى نفس المادة. ولكن نوعية النظر إليها، تُحدِّد نوعية العلاقة بها والتصرف معها. فالبنسبة إليك هل المادة تملكك أم أنت تملكها؟ المال هو نفس المال ولكنه في يد البعض يُستخدم للخير وفي يد آخرين يقودهم إلى الضلال.

نفس الوضع بالنسبة إلى الجسد: هل تنظر إليه كأنه شر في ذاته، ومجال للعبث واللهو. أم تستخدمه في تعب الجسد لأجل إراحة الآخرين.

نقطة أخرى وهى الفرق بين الشكر والتذمُّر: إنسان ينظر إلى الذي معه، فيرضى ويشكر. وآخر ينظر إلى الذي ينقصه، فيشكو ويتذمَّر. وقد يكون الاثنان في نفس الظروف ونفس الأوضاع أمَّا نوع النظرة فيتغيَّر. ولو أن المتذمِّرين نظروا إلى الذي معهم، لوجدوا أنهم في خير، وقد أعطاهم الرب الكثير. ولكنهم لا يكتفون إطلاقاً. بل باستمرار ينظرون إلى مستوى أعلى وأبعد فيشعرون بنقصهم! حقاً إنه بنوع نظرة الإنسان إلى الحياة، يسعد نفسه أو يشقيها. فليست الظروف الخارجية هى التي تتعبك، إنما يتعبك أسلوبك في التفكير ونوع نظرتك إلى الحياة.

نقطة أخرى وهى النظرة إلى أعمال الآخرين: فإنسان ينظر إلى الخير الذي فيهم فيمدحهم بل ويحبهم. وشخص آخر لا ينظر إلاَّ ما فيهم من النقائص والعيوب. وهكذا تكون له نظرة نقَّادة، لا يرى إلاَّ الشيء الأسود. فهو مُتخصِّص في رؤية العيوب. ما أسهل عليه أن يجد في أي شخص عيباً ينتقده! إن تخصُّصه هو أن ينتقد، ويُعارِض، ويتكلَّم بالسوء على كل أحد. ولا يعجبه أي تصرُّف، سواء بالنسبة إلى شخص مُعيَّن، أو إلى مجموعة مُعيَّنة من الناس.

أمَّا صاحب النظرة البيضاء، فإنه يرى في كثيرين شيئاً يُحب، وشيئاً يُمتدَح. لذلك يا أخي القارئ درِّب نفسك على هذه النظرة البيضاء. لا تُفكِّر في عيوب الناس إنما فكِّر في فضائلهم. وما فيهم من محاسن.

إن الذى لا ينظر إلا إلى العيوب، قد تجده ساخطاً على المجتمع كله. لا يعجبه شيء. قد يقف لينادي بالإصلاح. يبحث عن شيء يهاجمه. وإن لم يجد، يخترع شيئاً يهاجمه. وبعض أصحاب هذه النظرة السوداء وعدم الثقة بالمجتمع. قد يتحوَّل بعضهم من الهجوم إلى الإنعزال. فينطون على ذواتهم إذ لا يجدون أحداً يعجبهم ولا شيئاً يرضيهم. فهم ساخطون على كل شيء وبعض هؤلاء قد يُصابوا بالكآبة Depression فباستمرار يمكنهم الحزن. وبعضهم قد يصابوا بالعصبية. فتجده غضوباً باستمرار، حاد الطبع، عالِ الصوت، دائماً يحتد وربما بلا سبب. وفي غضبه يثور، ويتكلَّم بما لا يليق. إنه لا يرى سوى سواد يثيره.

حتى في العلاقة مع اللَّه: صاحب النظرة البيضاء يرى أن اللَّه مُحب ورحيم، ويعطف عليه ويحل مشاكله. أمَّا صاحب النظرة السوداء فيتصوَّر أن اللَّه لا يهتم به، وأن اللَّه قد أهمله ولا يستجيب لصلواته. بل يَصل به الأمر إنه لا يشعر فقط أن كل الناس ضده، بل إن اللَّه أيضاً ضده. وقد يصل به الأمر أنه يُجدِّف على اللَّه. والماركسيون كانوا يقولون: إن اللَّه في برج عالٍ لا ينظر إلى متاعب الناس. إن الشيطان قد يهمس في أذن الإنسان المتضايق أو صاحب النظرة السوداء، ويقول له لماذا يعاملك اللَّه هكذا؟! لماذا تثقل يده عليك؟!

إن صاحب النظرة السوداء يرى أن كل نهار بعده ليل مُظلم. أمَّا صاحب النظرة البيضاء فيرى أن كل ليل مُظلم يعقبه نهار مضيئ. النظرة السوداء تتعب من كل خطأ موجود. أمَّا النظرة البيضاء فتقول: إن كل خطأ يمكن تصحيحه.