بين الصمت والكلام

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

 15/7/2003

جريدة الجمهورية

 

 

إنه سؤال يبدو أحياناً محيّراً، وهو:

أيهما أفضل الصمت أم الكلام؟

فبعض الحكماء رأوا أن الصمت أفضل، إذ أنه ينجي من أخطاء اللسان وهى كثيرة. لذلك قال داود النبي في المزمور: "ضع يارب حافظاً لفمي، باباً حصيناً لشفتيّ ". وقال القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك "كثيراً ما تكلمت فندمت. أما عن سكوتي، فما ندمت قط .."

والشخص الصامت هو إنسان رزين، يشتهي الناس كلمة من فمه. وهو طبعاً ضد الجاهل الذي قيل عنه "سكت دهراً، ونطق كفراً".

ولكن عموماً فإن الصامت يعطي نفسه فرصة في أن يزن الكلام قبل أن يقول، وأن ينتقي الألفاظ قبل أن ينطق بها

ونحن حينما (الشخص الصامت) لا نقصد الصمت المطلق طبعاً، فذلك يسمي بالأبكم. وإنما نقصد قليل الكلام

***

السبب الأول لفضيلة الصمت هو البعد عن أخطاء اللسان والسبب الثاني-للنساك-هو فرصة للتأمل والصلاة

ولذلك عندما سألوا القديس أرسانيوس لماذا يصمت كثيراً ؟ أجابهم : "لا أستطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس الوقت".

وفي هذا قال أيضاً أحد الآباء النساك: "الشخص الكثير الكلام، يدل على أنه فارغ من الداخل" أي فارغ من التأمل والصلاة والعمل الروحي.

أما بالنسبة إلى أهل العالم، فالصمت يساعد على مزيد من التفكير، وبالتالي: الحكمة في التدبير.

والإنسان الحكيم-إذا سُئل سؤالاً-كثيراً ما يصمت قليلاً، ثم يجيب بذكاء وعمق، إجابة غير سطحية

وأيضاً بالنسبة إلى الحكماء، يضعون أمامهم قاعدة هامة وهى "الاستماع أفضل من التكلم" أو على الأقل: الاستماع العميق قبل التكلم. ففي ذلك يستوعبون الكلام جيداً ويفهمونه تماماً، قبل أن يجيبوا عليه

***

ومن الطريف مما قيل عن الصمت والكلام:

قيل إن الله-في خلق الإنسان- وهبه أذنين ولساناً واحداً. وجعل الأذنين مفتوحتين. أما اللسان فجعله في فم مغلق بالشفتين، وحول اللسان أسوار من الأسنان

كل ذلك لكي يستمع الإنسان أكثر مما يتكلم

وقيل أيضاً من باب طرافة الحديث: إن الأذنين كل منهما في اتجاه: الوحدة منهم إلى اليمين، والأخرى إلى اليسار. لكي من الناحية الرمزية: يستمع الإنسان إلى الرأي، وإلى الرأي الآخر. وبين الأذنين توجد الرأس ترمز إلى العقل والفكر، للحكم بين الرأي والرأي الآخر.

***

أخطاء الكلام

ما اكثر الأخطاء التي تصدر عن الناس في كلامهم. وكلها نابعة من حالة القلب. وليس الجميع يقعون في جميعها. إنما البعض قد يقع في بعض أخطاء اللسان، والبعض في أخطاء أخرى:

         من ضمنها طريقة الكلام: كما في الصوت العالي الصاخب، وفي الصوت الحاد، والصوت السريع في نطقه. كلها حول عدم هدوء الصوت.

         ومنها كثرة الكلام. وغالباً ما يكون بغير ضابط. وعن هذا قال سليمان الحكيم "كثرة الكلام لا تخلو من معصية"

         وفي كثرة الكلام، غالباً ما يقع الإنسان في خطأ عام وهو: عدم الدقة في اختيار الألفاظ. ومن أمثلتها التعميم، كاستخدام كلمة (كل) أو كلمة (جميع). وغالباً ما يكون استخداماً خاطئاً غير دقيق

***

ومن أخطاء الكلام الجدل الخاطئ الذي لا يخرج بنتيجة

جدل لمجرد الجدل. أو ما يسميه العامة (المقاوحة)، وهذه قد يعلو في الصوت من الطرفين. ويبدو الأمر كما لو كان شجاراً!

         ومن أخطاء الكلام أيضاً، تدخل الإنسان في ما لا يعنيه، في أي أمر لا يخصه، ولم يدعُه أحد للحديث فيه

         ومن أخطاء اللسان أيضاً، الكذب. وهذا يجعل المتكلم ثقة الآخرين في كل ما يقول. وبخاصة لأن الكذب سريعاً ما يُكتشف ويدخل في نطاق الكذب شهادة الزور

وربما يريد الكاذب أن يغطي نفسه بالقسم (الحلفان)، فيزداد كذبه إثما.. ويدخل في نطاق الكذب أيضاً، كل أنواع الخداع والتضليل. ويدخل فيه أيضاً عنصر المبالغة

***

وهناك أنواع من أخطاء اللسان تتعلق بالعلاقات مع الناس:

منها مسك سيرة الناس، وغالباً ما تكون لونا من التشهير بهم، والكلام عنهم بالسوء، والحديث عن أخطائهم

         من أخطاء الكلام أيضاً التهكم على الناس، والاستهزاء بهم وجرح شعورهم، وبخاصة من لا يستطيعون الرد على الاستهزاء

         كذلك ألفاظ التهديد، وألوان من عبارات الإغاظة والإهانة والإثارة والإساءة، والألفاظ الجارحة

         كل كلمات السب واللعن والشتيمة، وما أشبه

         ومن الناحية ألفاظ التملق والرياء والنفاق، لمحاولة كسب رضا الكبار والرؤساء بهذا الطريق الخاطئ

هناك أخطاء أخرى في الكلام، تمس الله تبارك اسمه !!

مثل النطق باسم الله باطلاً، في غير خشوع، والشهادة باسمه الكريم في أمور تافهة، أو بعض عبارات التهديد

         الحلفان باسم الله في أمور خاطئة أو كاذبة

         عبارات التذمر ضد الله، حينما تصيب الشخص ضائقة صعبة، أو مرض من الأمراض، أو فشل في حياته

         عبارات الكفر أو التجديف على الله

         كل أنواع البدعة في الدين، أو التعليم بضلالة دينية، ضد كلام الله ووصاياه

***

هناك أخطاء أخرى متنوعة للسان

منها عبارات ضد الأخلاق الكريمة، مثل كلمات المجون والهزء، والنكات البذئية، والقصص الماجنة، وكذلك ما يمس النقاوة والطهارة من قصص وأمثال وأفاقٍ

         أيضاً ما يتلفظ به الإنسان من كلمات الافتخار الباطل، ومدح النفس، وتمجيد الذات في مقارنتها بالآخرين

         ومن أخطاء اللسان أيضاً الثرثرة وإضاعة الوقت في كلام تافه لا يفيد أحداً، والردّ على عبارة واحدة بحديث طويل يجلب الملل والضيق

         من أخطاء الكلام أيضاً، أنواع الألفاظ غير اللائقة

***

لكل ما سبق فضّل الحكماء الصمت على الكلام

ولكن يبقي بعد كل هذا سؤال هام نود مناقشته، وهو:

هل الصمت باستمرار فضيلة؟ وهل الكلام لا فضيلة فيه؟

كلا، بل الحقيقة واضحة كما قال أحد الآباء وهى:

الكلام من اجل الله جيد، والصمت من أجل الله جيد فلا نصمت حين يجب الكلام. ولا نتكلم حين يحسن الصمت

أحياناً ندان على كلام خاطئ. وأحياناً ندان على صمتنا

والمسألة تحتاج إلى حكمة وتمييز، لنعرف متى نتكلم؟ ومتى نصمت؟

لاشك أن هناك كلاماً نافعاً ومفيداً، حين نتكلم بالصالحات. والصمت حالة سلبية، بينما الكلام حالة إيجابية

وإنما يدرب الناس أنفسهم علة الصمت كحالة وقائية من أخطاء اللسان حتى يتدربوا على الكلام النافع

***

كلام المنفعة

هو كل كلمة تفيد الإنسان لبنيان عقله وروحه، ولثقافته وهدايته :

من ذلك كلمة النصح والإرشاد لمن يحتاج إليها حتى لا يضل الطريق. وكلمة الحكمة التي يجعلها السامع نبراساً له في طريق الحياة. وكلمة التشجيع لإنسان على حافة اليأس أو حالة انهيار، تبعث فيه الرجاء من جديد. وكلمة العزاء لشخص حزين كذلك كلام التعليم ما دام تعليماً سليماً . يضاف إلى ذلك كلمة البركة من أب لابن، أو من أستاذ لتلميذه كل ذلك يدخل في نطاق كلام المنفعة، لأن من يسمعه ينتفع به

نضيف إلى ذلك كلمة التوبيخ المخلصة التي تصدر من صديق أو مرشد أو أب، تنهي شخصاً يسير في طريق خاطئ، حتى يصحح سلوكه، أو يمتنع عن خطأ سيفعله

***

وما أكثر كلام المنفعة في الحياة العملية

من أجله تعقد مؤتمرات التوعية في شتي المجالات

منها مؤتمرات الأسرة يتكلم فيها متخصصون عن كيف يتعامل الخطيبان معاً، أو كيف يسلك حديثو الزواج في حياة جديدة عليهم، أو كيف تحُل المشكلات الزوجية دون أن تتسع أو تصل إلى المحاكم، ودون أن تتدخل فيها الحموات فتعقدها.. بل ربما يعقد مؤتمر اسري عن مثالية سلوك الحموات الفضليات. كل ذلك كلام منفعة

أو مؤتمرات للشباب، يسمعون فيها ممن هم أكبر منهم سناً، واكثر منهم معرفة، يحدثونهم عن طاقة الشباب في تلك السن وكيف تستخدم، وعن المفهوم السليم لكلمة الحرية، والمفهوم السليم للقوة، وعن النجاح في الحياة وكيف يكون، وعن العلاقة المثلى في محيط الأسرة، وبين الأصدقاء، وفى المجتمع

بل حتى في الكليات العسكرية : هناك معلومات وإرشادات تعطى للمبتدئين في كيف يسلكون، يلقيها عليهم من أهم أقدم منهم رتبة، وحتى بعد التخرج يتلقون إرشادات أخرى عملية .

مثال آخر هو المؤتمرات العلمية : تعقد لكي يستمع فيها رجال العلم إلى آخر ما وصل إليه العلم في نقاط معينة

***

كل ذلك كلام نافع يسعى إليه الناس للاستفادة يضاف إليه كلام الحكماء والأدباء والمتخصصين في نطاقهم وأيضاً كلام المسئولين إلى من هم تحت إدارتهم ويعتبر كل ذلك في حدود الواجب، يلام من يقصر فيه

لا يستطيع الأب أن يقول " الصمت فضيلة " ويقصر في تربية أولاده، بينما يقول الشاعر

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان علّمه أبوه

وكذلك الأم في تربيتها لأطفالها من بدء سنهّم

هناك كلام يدخل في حدود الواجب، وهو لازم ومُلزم فلا يجوز التقصير في واجب التعليم والتهذيب والتربية

***

فإن صمتنا عن الشهادة للحق، ندان على صمتنا

وإن أعطى صمتنا مجالاً للباطل أن ينتشر وأن ينتصر، ندان كذلك على صمتنا. كذلك إن قصّرنا في إنذار البعض، فأضر بنفسه أو بغيره

وهكذا إن رأيت شخصاً يوشك أن يسقط في حفره ولم تحذره.. فإن سقط ومات، يطالبك الله بدمه، ويزعجك ضميره

بهذا يكون الواجب على الرعاة والقادة والمسئولين أن يتكلموا.

ويجب من كلفهم الله أن يقولوا كلمة الحق ويشهدوا لوصاياه

وتكون الفضيلة أن نتكلم حين يجب الكلام، وأن نصمت حين يحسن الصمت