دوافع وأغراض

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

29/7/2003

جريدة الجمهورية

 

 

وراء كل عمل يعمله الإنسان. يوجد دافع يدفعه إليه. وتختلف الدوافع من شخص لآخر. وبالتالي تختلف الأعمال.. وتوجد دوافع سامية. وأخري رديئة أو منحرفة.

وسنحاول في هذا المقال. أن نتعرض لهذه ولتلك.

الدوافع السامية

* قد يكون الدافع الذي يحرك حياة الانسان كلها هو تحرير الوطن

تحريره من الاحتلال الخارجي أو التدخل الأجنبي وبهذا الدافع عاش سعد زغلول. وقاد ثورة سنة .1919 ومن أجل هذا الدافع النبيل نُفي إلي جزيرة سيشل هو وصحبه المجاهدون ثم عاد ليتابع جهاده. حتي وضع للشعب دستور سنة .1923 وظل هذا الدافع الوطني هو الذي يقود حياته وزيرا أو رئيسا لحزب.

* أما قاسم أمين. فكان الدافع الذي يحركه هو تحرير المرأة

مبدأ آمن به. وكرس له حياته. وأيضاً فكره وقلمه ومقالاته. واشتركت معه في هذا الغرض هدي شعراوي. واستطاعا أن يغيرا كثيرا من صورة المجتمع في أيامهما.

* أيضاً المهاتما غاندي الزعيم الروحي للهند :

كان هناك دافع يقود تصرفاته. وهو العمل علي استقلال الهند وتخليصها من الحكم الانجليزي. وبهذا الدافع الوطني جاهد جهاداً صريحاً. واحتمل السجن. وسار علي مبدأ المقاومة السلبية يحركه دافع آخر هو إيمانه بعدم العنف. وظل هكذا حتي نالت الهند استقلالها..

بعد ذلك دافع عن حقوق "المنبوذين" في الهند يحركه دافع آخر هو إيمانه بالمساواة بين الكل. وصام من أجل المنبوذين حتي قيل إن دمه بدأ يتحلل.. وأخيراً نال لهم الحق في عضوية البرلمان..

***

* في غير المجال السياسي. توجد دوافع أخر تمثل قيماً. مثل النجاح

بهذا الدافع كان الطلبة يرهقون أنفسهم في استذكار دروسهم. يدفعهم إلي ذلك ليس مجرد الغرض في النجاح. انما بالأكثر التفوق.. وهكذا كان الأوائل في النتائج. وكان الاستمرار في طلب العلم. حتي رأينا فيما بعد أسماء لعلماء ومخترعين.

* هناك دافع آخر هو العفة. كانت تقود بعض الأبرار

مثال ذلك يوسف الصديق الذي رفض الخطيئة حينما عرضت عليه من سيدته. وفضّل السجن عن أن يفقد عفته. تدفعه في كل ذلك مخافة الله. والتمسك بطهر الجسد والروح.

* هناك آخرون تدفعهم قيم أخري مثل الأمانة وعفة اليد

مثال ذلك سائق سيارة. بعد أن ترك الراكب سيارته. رأي أن هذا الراكب قد نسي علي المقعد حافظة نقوده. وفيها مبلغ كبير جدا من المال وأوراقه الخاصة التي عرف منها اسمه وعنوانه. فذهب بكل ذلك إلي مركز الشرطة. وسلّمه ليعاد إلي صاحبه. ووراء ذلك دافع يدفعه إلي هذا التصرف هو الأمانة وحقوق الغير..

    وما أكثر الأمثال عن الدوافع الطيبة التي تقود التصرفات.

***

وواجبنا نحن أن نغرس هذه الدوافع الطيبة في نفوس الناس

الكبار منهم. وأيضا النشء منذ بدء طفولته.

سواء كان ذلك في البيت. فيما يعلّمه الآباء والأمهات للأبناء.. أوفي المدارس فيما يقدمه الأساتذة والمشرفون الاجتماعيون من تعليم ومن قدوة صالحة. كذلك ما تقدمه الحضانات ومراكز الشباب.. يمكن أيضا أن يساهم في هذا العمل النبيل رجال القلم والفكر بما ينشرونه من مقالات أو قصص في الجرائد والمجلات والكتب.. كذلك ما يسهم به رجال الفن من أفلام وروايات ومسرحيات. يكون هدفها جميعا غرس الدوافع الطيبة في النفوس. وقيادتهم جميعا إلي عمل الخير والبر.

***

الدوافع السيئة أو المنحرفة

علي أن هناك أشخاصاً ليسوا من أصحاب المباديء أو القيم الروحية. تقودهم في حياتهم دوافع أخري تسيطر عليهم. ليست هي صالحة أو مثالية. ولكن لها تأثيرها الضاغط.. فما هي؟

1- دافع اللذة

هذه اللذة تقود كثيرين. أياً كانت مراحل سنهم أو مراكزهم الاجتماعية. سواء كانت لذة للجسد. أو للنفس. أو للفكر. أو سائر الحواس.. وسنحاول أن نستعرض هذه الأنواع..

* لذة الجسد

* ومنها لذة الأكل والشرب.

وفيها يبحث البعض عن اللذة في الطعام وليس في الفائدة.. فيكثرون من الحلويات. من الدهنيات والسكريات والمقليات. ولا يهمهم ما يصيب أجسادهم من زيادة السكر والكوليسترول.. وربما يكثرون من الأكل عموماً. ويأكلون أيضا ما بين الوجبات. مع الكثير من المياه الغازية ومن العصائر. مما يعرض أجسادهم للترهل. ويصبح ذلك جهداً مرهقاً علي القلب. الذي من واجبه أن يضخ دما لحجم من الجسد فوق طاقته..وكل ذلك من أجل الانهماك في لذة إطعام الجسد

* يضاف إلي هذا اللذة التي يجدها البعض في شرب الخمر والمسكرات

وفي كل ذلك لا يبالون بما يحدثه الكحول من تأثير علي الكبد. ولا ما تحدثه الخمر من أثر علي المخ. وفقدان للتوازن أو الوعي. وأيضاً ما ينفق فيها من مال. ولكنها اللذة الخاطئة.

*نفس الكلام نقوله أيضا عن التدخين

لست أدري أية لذة يجدها المدخن في الدخان الداخل إلي صدره. وسُحب الدخان الخارجة منه! وكميات الكربون المتراكمة داخله. مع اسوداد أسنانه. ورائحة فمه والنَفس الخارج منه!

إنه يعرف كل ذلك. ويلمسه في حياته. ويعرف أن التدخين يفقده صحته. وماله. ويفقده إرادته. ويضر الذين حوله.. ومع ذلك فلذة التدخين تدفعه إلي الاستمرار فيه. أو أن عبوديته لهذه العادة تعوقه عن تركها.

***

*وفي مجال الجسد. ما أكثر ما يقال عن الزنا

من ضحايا الجنس "SEX" وممارسته. وأبشع مثل يشهده العالم حالياً هو مرض الإيدز وفتكه بالملايين في أفريقيا السوداء ممن تدفعهم إلي الهلاك هذه اللذة الجسدية الخاطئة.. وبالاضافة إلي غير ذلك من الأمراض التناسلية. نذكر ما تسببه تلك اللذة الجسدية أو النزوة الجنسية من أحداث خطيرة: كأن تفقد امرأة عذريتها. أو تحمل سفاحاً. وتحاول أن تغطي فضيحتها بالإجهاض. فتضيف إلي خطية الزنا خطية القتل أو ما تسببه تلك اللذة الخاطئة من الانحراف إلي الخيانة الزوجية أحياناً مما يسبب تفكك الأسرة واللجوء إلي الطلاق..وهذه الممارسة بالذات تعتبر لوناً من النجاسة. ومن سوء الخلق. ومن زوال العفة. ولكن يلجأ إليها من يرون فيها لذة من ملاذ الجسد تدفعهم إليها بغير وعي.

***

*ومن ملاذ الجسد ما يتعلق أيضاً بالحواس: النظر والسمع واللمس

فهناك من يجد لذة في النظر إلي صور معينة تغذي فيه إشباعاً لشهوات دنسة أو رغبات منحرفة. أو أنه يتلصص النظر إلي الأجساد في غير حياء. أو يتابع بالنظر بعض أفلام بنفس الدافع المنحرف. أو ما ينشر في بعض المجلات والصحف التي تتعمد نشر مثل هذه الصور رواجاً لها بين المنحرفين خلقيا..وما يقال عن لذة النظر الخاطيء يقال عن السمع. مثل الذي يدفعه انحرافه إلي سماع قصص أو فكاهات بذيئة. أو أنه يجد لذة في سماع أسرار الناس أو أخبار فضائحهم.. إنها دوافع منحرفة. توصل إلي تصرفات أكثر انحرافاً.

***

*ننتقل من ملاذ الجسد الخاطئة إلي ملاذ النفس الخاطئة

من ذلك من يجدون لذة في التشفي والانتقام

فيفرح الواحد منهم بما يصيب عدوه أو منافسه من ضرر.. متشفياً فيه أو شامتاً. يدفعه إلي ذلك حقد في قلبه أو كراهية. وهذا الحقد قد يدفعه أيضا إلي الانتقام من هذا العدو أو التحدث عنه بما يسيء إلي سمعته.. واجداً في ذلك متعة.

ومن ملاذ النفس أيضا شهوة الغني. ولذة الجمع والتكويم. والفرح بازدياد الرصيد أيا كان مصدر هذا الازدياد..ومن لذة النفس أيضا الطموحات التي تدفع بدورها إلي لون من المنافسات. والرغبة في قهر المنافس والاستعلاء عليه.

***

ننتقل بعد هذا إلي ملاذ الفكر

ولا نقصد هنا فرح الفكر بالنمو في المعرفة النافعة. أو لذته بالتأمل النقي في الأمور الروحية والسماوية..إنما نقصد هنا خطأ لذة الفكر في ما يضره. وذلك بالاشباع الفكري في الشهوات الخاطئة. تدفعه رغبات الجسد التي لم تتحقق عملياً. فتسعي إلي إشباعها فكرياً بلون من السرحان.

والفكر يشبع ذاته بأحلام اليقظة وبالخيال. وبتأليف قصص عن نفسه ترضيه. يصوّر فيها ذاته حسبما يشاء ويهوي.

في هذا الخيال الخصب. يحلم بالنجاح والترقي. والانتصار علي الغير. وبالعظمة والمناصب والغني.. ثم يصحو من كل ذلك. فإذا هو لا شيء!! فيعيد الكرة بأحلام جديدة وقصص جديدة.

***

لأجل هذا كله. يجب أن نرتفع فوق مبدأ اللذة

ونجعل الدافع لنا هو النفع الروحي والحق الخالص وأتذكر أنني في شبابي المبكر. وضع أمامي كتاب وضعه أحد المتخصصين في الفلسفة وعلم النفس. عنوانه [فوق مبدأ اللذة] ننتقل إلي نقطة أخري من الدوافع والأغراض. وهي:

المنفعة

غالبية الناس يسيّرهم في حياتهم دافع أساسي هو المنفعة. حتي بعض الدول أيضا تقوم سياستها علي المنفعة.

ولكن المهم أن المنفعة الخاصة لا تطغي علي منفعة الغير

ولا تطغي أيضاً علي النفع العام. وإلا صارت لوناً من الأنانية. نقول هذا لأن كثيراً من التجار الجشعين يحتكرون السوق. ويفرضون أسعاراً مرتفعة يكون من ضحاياها المشتري وباقي التجار الصغار. فعلي أولئك الجشعين ألا يركزوا علي منفعتهم وحدهم. بل يراعوا غيرهم.

وكثيرون بدافع من المنفعة يلجأون إلي وسائل لا يرضاها الضمير. بذلك المبدأ المكيافللي "الغاية تبرر الوسيلة"!.. وأيضا يخلطون المنفعة بالطمع. وأحياناً بالتزوير والرشوة. أو بالغش. كمن يصعد علي العلو علي جماجم الغير.

***

الذات

الذات Ego هي من الدوافع الأساسية في حياة الغالبية.

وحسن أن يبني الإنسان ذاته بناء سليماً. ولكن الخطأ هو التركيز علي الذات. أو أن الذات تدفع إلي حب العظمة والكرامة والخيلاء. وأن تجعل الإنسان يصل إلي الكبرياء. ويفضّل ذاته علي الكل أو أن يفعل الخير. لا حباً في الخير. وإنما لكي ترتفع ذاته في نظر الآخرين. أو أن الشخص المحب لذاته. والمعجب بذاته. قد يمدح ذاته. ويقع في حب الكرامة. ويكره من لا يمدحه أو في سبيل الذات يحاول أن يحطم كل من يراه منافساً له!

***

التيار العام

هناك من يدفعه في الطريق مسايرة التيار العام. فليست له مباديء ثابتة يسير عليها. إنما يتبع ما يراه في البيئة التي حوله..مثال ذلك الفتاة التي تسير حسب "الموضة" أيا كان نوعها: قصيرة أم عارية. وتستخدم المساحيق التي تستخدمها الأخريات. وهكذا..ومثالها أيضاً من يردد شعارات سمعها من غيره أو قرأها في الصحف. دون أن يتشبع بمعناها. إنه شخصية منقادة.

العادة

وهناك من تقودهم العادة. ويخضعون لسيطرتها وهذا موضوع طويل. ليس الآن مجاله.