هدوء القلب وهدوء الفكر

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

18/3/2003

جريدة الجمهورية

 

 

لا يكفي أن يكون الانسان هادئا من الخارج. في كلامه وفي أعصابه. إنما يجب أن يكون هادئا في الداخل أيضا. تكون نفسه هادئة.

وهدوء النفس من الداخل. هو الذي ينبع منه الهدوء الخارجي

إن النفس التي تغلي من الداخل. حيثما حلت يحل الغليان والتوتر. تعيش كشعلة : حيثما ألقيت. أحرقت وانتشرت نارها هنا وهناك. لدرجة أن أمثال هؤلاء الناس إذا دخلوا مكانا. يتهامس البعض قائلين: "يارب استر".

***

ولكن الانسان الهادئ من الداخل. نري هدوءه الداخلي يفيض هدوءا في الخارج.

نجد صوته هادئا. ومشيته هادئة. ومعاملاته هادئة. ومناقشاته هادئة ومريحة.. وفي هدوئه لا يصيح ولا يتشاجر. بل تكون علاقاته طيبة مع جميع الناس. إذ لا يلجأ الي المشادة أو الي العنف مع أحد. هذا من الخارج..

أما من الداخل. فيتمتع بهدوء الفكر وهدوء القلب

الإنسان غير الهادئ من الداخل. تكون في داخله افكار كثيرة: تموج وتطيش. وتروح وتجئ. ولا تثبت علي حال. ففكر يجذبه الي هنا. وفكر يشده إلي هناك. وذهنه دائم التغير. والأفكار تؤثر علي نفسه لأنها غير مستقرة..

***

وغير الهادئ يقاسي أيضا من عدم الهدوء في مشاعره

إنفعالاته وأحاسيسه غير هادئة. رغباته وآماله طائشة غير مستقرة. يجذبها الخيال أحيانا الي آفاق عالية لا يستطيع الوصول إليها. ويحطه الفكر العملي الي واقعه البعيد عن آماله. ويظل يضطرب بين الرغبة والواقع. فتضطرب معه انفعالاته. وقد يقع في اضطرابات نفسية عديدة. نذكر من بينها القلق..

والشخص الذي يعيش في قلق. هو فاقد لهدوئه

فالقلق يدل علي عدم هدوء النفس. والقلق يدفع إلي الخوف.. والإنسان المصاب بالقلق. أفكاره غير هادئة غير مستقرة...

***

والقلق قد يدعو إلي الشك.. والشك يُفقد النفس هدوءها

والإنسان الشكاك لا يكون هادئا مطلقا من الداخل. ويسائل نفسه باستمرار : هل هو علي حق في شكوكه؟ وهل يجوز أن تكون شكوكه غير حقيقية؟ وكيف يمكنه أن يتحقق من هذه الشكوك ويثبتها؟

فهو يشك. ثم يشك في شكه! وتبقي أفكاره غير هادئة. وقد تعذبه نفسيا وتتعبه. وهذا التعب يزيد من عدم هدوئه.. كما أن الشك قد يتعب الشخص في علاقاته مع الآخرين..

والشك له أنواع. وكلها تفقد الهدوء:

سواء كان شكا في وقائع أو في أشخاص.. أو شكا في علاقات.. أو كان شكا في عقيدة. أو في الله نفسه! وربما يكون الشك في مستقبله وما ينتظره فيه... وفي كل ذلك الشك يكون العقل مضطربا. وتكون النفس أيضا مضطربة...

***

علي أية الحالات. هدوء القلب يجلب هدوء الأفكار..

اذا كان القلب مستريحا وهادئا. تصبح افكار صاحب هذا القلب مستريحة أيضا وهادئة. فإذا اضطرب القلب. اضطربت افكاره. وهكذا حسبما يكون القلب. تكون الأفكار. إن كانت في القلب عواصف وبراكين. تجد الأفكار كأنها في سوق يبيعون فيه ويشترون! وبالعكس اذا كان القلب هادئا. تهدأ معه الأفكار..

علي أن هناك أشخاصا نفسياتهم ضعيفة. يضطربون لأتفه الأسباب.

وربما لمجرد الوهم. بغير سبب حقيقي. وفي اضطرابهم يفقد القلب هدوءه. ويفقد الفكر هدوءه. وينعدم الهدوء الداخلي. ويظهر عدم الهدوء في تصرفاتهم أيضا..

***

ومن مظاهر عدم هدوء الفكر. حالة الفكر الطائش الجوّال..

فالفكر الهادئ مركز. مستقر في موضوع تفكيره. وله عمق في التفكير. أما الفكر غير الهادئ. فإنه يجول من موضوع إلي موضوع. ويطيش في أمور متعددة. كمن تطيش أفكاره حتي أثناء الصلاة! وكما قال واحد من الآباء "إذا كانت النار طعامها الوقود. فإن الفكر طعامه الحكايات"..

الفكر الطائش غير الهادئ يهوي الحكايات والأخبار والرغبات وينتقل من خبر إلي خبر. ومن قصة إلي قصة. ومن سيرة شخص إلي سيرة شخص آخر. بل ينتقل هذا الفكر من بلد إلي بلد. دون أن يهدأ. إنه يذكرنا بالشيطان الذي من عمله الجولان في الأرض والتمشي فيها...

***

ومن مظاهر عدم هدوء الفكر. حالة الفكر النقّاد...

الفكر الذي لا يعجبه أحد. ولا يعجبه شئ! له نظرة قاتمة سوداء. فهو باستمرار ثائر علي الأوضاع. يري أن الحق فيما قد ضاع! فيحتد علي كل ما يعرض أمامه. حتي إن كان لا دخل له فيه. وحتي إن كان لم يدرس الموضوع ولم يفهمه! ولكنه مع ذلك ساخط علي كل شئ. متذمر من كل شئ. منتقد لكل شئ. فاقد لهدوئه..

والفكر الفاقد لهدوئه. يعمل علي إشاعة عدم الهدوء في نفوس الآخرين..

ينشر أفكاره القلقة غير الهادئة. يصبها في آذان الآخرين وفي أذهانهم. ويتحمس لها. ويعمل علي إقناع الناس بها. وقد يفلح في ذلك أو لا يفلح. وحتي إذا لم ينجح في نشر أفكاره غير الهادئة. فإنه يسبب عدم هدوء بسبب مناقشاته...

***

ومن الأفكار غير الهادئة. الفكر اللحوح:

الفكر الذي يلحّ علي ذهن صاحبه الحاحا. ويضغط عليه بطريقة متعبة. بينما يحاول الشخص أن يتخلص منه فلا يستطيع. وبإلحاح هذا الفكر عليه. يفقد هدوءه... وبخاصة ذلك الفكر الذي ينام به الإنسان ويصحو. وهو مستمر. يلح عليه حتي أثناء عمله. وأثناء صلاته. وأثناء راحته. بلا هوادة. وبلا انقطاع.

مثل هذه الأفكار غالبا ما تكون حربا من الشيطان.

لأن الأفكار الروحية هادئة باستمرار. أما الشيطان فإنه يضغط بأفكاره بلا رحمة. ويدفع الشخص الي سرعة التنفيذ. وهو بإلحاحه يضغط علي الأعصاب ويتعبها. لكي تحسب أن التنفيذ هو أسهل وسيلة لراحتها.

إن الفكر اللحوح فكر مشاغب. لا يشاء أن يترك للإنسان فرصة للمشورة. ولا فرصة لفحص الفكر ومناقشته. كما لو كان يريد أن يرغم الشخص عليه إرغاما..

***

ومن أنواع الأفكار غير الهادئة: الفكر المتقلب

الذي يعرض الشئ وينقلب إلي عكسه. وتارة يوافق علي الأمر. وتارة يعارضه. يتحمس للموضوع حينا. ويفتر حماسه بعد حين. هو كأمواج البحر تمتد وترجع. في غير ثبات... إنه فكر متقلب. أو هو فكر متردد. يسبب لصاحبه الحيرة وعدم الهدوء وعدم الاستقرار...

أما الفكر الهادئ. فهو يشبه السفينة التي تشق طريقها في هدوء. في مسار واحد. لا تضطرب فيه. ولا تنحرف يمنة ولا يسرة.

***

الأفكار غير الهادئة تُفقد القلب هدوءه.

وكذلك القلب غير الهادئ يكون مصدرا لأفكار مضطربة.

كل من القلب والفكر يكون للآخر سببا أو نتيجة...

فالقلب بكل ما فيه من مشاعر وأحاسيس وانفعالات... كالحزن والغيظ والحقد. والشهوة. والاضطراب. والرغبة في الانتقام. والرغبة في السيطرة أو التملك... القلب الذي فيه شئ من هذه المشاعر وما يماثلها. لا يمكن أن يكون هادئا... وكذلك أفكاره.

ومما يفقد القلب هدوءه بالأكثر. الرغبات التي تطلب سرعة تحقيقها. بينما هذه السرعة لا تكون متوافرة في الواقع العملي. فيفقد القلب هدوءه.

القلب الهادئ. يري كل شئ هادئا. فلا يضطرب بشئ

أما القلب غير الهادئ. فيري في كل شئ سببا للاضطراب

لذلك يضطرب. ويثير الاضطراب حيثما حلّ...!

القلب الهادئ لا تزعجه المشاكل الخارجية. وإنما يتقبلها في هدوء. ويتناولها بعقل. ويحللها ويفحصها. ويحلها في هدوء. ولا يسمح للاضطراب الخارجي ان يدخل الي داخل نفسه لكي يعكر صفوها!

إنه لا يترك المشكلة تنتصر عليه. بل ينتصر هو عليها.

يقول لنفسه : لا أريد أن تزعجني هذه المشكلة. ولا أريدها أن تدفعني إلي الغضب أو النرفزة أو الحزن... ولا أن تفقدني سلامي.

أريد أن تبقي هذه المشكلة خارجي. ولا تدخل إلي داخل نفسي.

***

القلب الهادئ بحر عميق. قد تطفو المعكرات علي سطحه. فلا تزعج هدوءه. وإن هبطت إلي أعماقه تذوب وتتلاشي.

أما إن انزعج الانسان من الداخل وفقد هدوءه. فإنه يعجز عن حل مشكلاته. فتزعجه. ويظهر عدم الهدوء في تصرفاته. وفي التعامل مع الناس والاحداث.

والقلب الهادئ يصلح للعمل الروحي

أما اذا فقد القلب هدوءه. فإنه لا يقدر علي التأمل. وإذا حاول الصلاة تسرح أفكاره. وإن قرأ كتابا يسرح أثناء القراءة.

لذلك كان محبو التأمل. يبحثون عن الهدوء والسكون. لأنه في الجو الهادئ والمكان الهادئ. يمكنهم أن يمارسوا عملهم الروحي.

***

القلب الهادئ يبسط هدوءه علي الإنسان كله:

هدوء القلب يسبب هدوء الفكر وهدوء الأعصاب. وهدوء الملامح. ونود أن نتحدث عن هذه النقطة الأخيرة:

قليل من الناس يستطيعون أن يتحكموا في ملامحهم.

فغالبا ما تكون الملامح كاشفة لحالة القلب:

سواء أراد الانسان ذلك أو لم يرد... فإن اضطرب قلبه. يظهر الاضطراب في ملامحه. إن اغتاظ. إن تضايق. إن اشمأز. إن خاف... يظهر كل ذلك في ملامح وجهه. أو في نظرات عينيه. حتي إن سرح في أحلام اليقظة. تكشفه ملامحه.

***

ملامحه هي اعترافات غير إدية. تكشف ما في داخل القلب والفكر.

فقد يضطرب وينكر اضطرابه. ولكن ملامحه تعلق أنه غير صادق في إنكاره. وأحيانا يفقد الإنسان هدوءه القلبي. وإن سألوه عن السبب ينكر. ولكن نبرات صوته. وحركات يديه. ونظرات عينيه. وربما حركة شفتيه. وخلجات وجنتيه... كل ذلك ينطق بما في داخله بما لا يسمح بمجال للشك...

لا تظنوا أن القلب خزانة مغلقة تكتم أسراره!

فكثيرا ما يكون مكشوفا ومفتوحا بواسطة الملامح. وغالبا ما تكون عين الشخص مرآة تري فيها مشاعره الداخلية. وربما تقرأ فيها أفكاره أيضا. أي انسان لماح يستطيع ذلك... لهذا بعض الناس يلبسون نظارات سوداء. حتي لا يتمكن مجالسوهم من رؤية انطباعاتهم. وردود فعلهم. ومشاعرهم. واضحة في عيونهم.

***

القلب الهاديء. ملامحه هادئة ومريحة

تحب أن تجلس إليه وتتأمل ملامحه : تتأمل الهدوء العجيب الذي يفيض من القلب ويكسو الملامح... لذلك لم يكن عجيبا أن أحد تلاميذ القديس انطونيوس الكبير يقول له: "يكفيني مجرد النظر إلي وجهك يا أبي" .. ففي وجهه كان يري السلام الداخلي الذي يملأ قلبه. وكان يري كل ما في القلب من طهارة وبر.

أما القلب غير الهادئ. فملامحه غير مريحة. لذلك إن لم يكن لكم هدوء القلب. فحاولوا أن تتحكموا في ملامحكم لتكون هادئة ومريحة.