القلب الكبير

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

9/12/2003

جريدة الجمهورية

 

 

لا يكن قلبك ضيقاً: يتأثر بسرعة، ويتضايق بسرعة، ويندفع إلى الانتقام لنفسه ... بل كن كبيراً في قلبك، وواسع الصدر، بحيث تحتضن في داخلك جميع المسيئين إليك

وحينئذ ستشعر بالسلام الداخلي، وتدرك بركة القلب الكبير

القلب الكبير لا تتعبه إساءات الناس، ولا يقابل الإساءة بإساءة. إنما تذوب جميع الإساءات في لجة احتماله وفي خضم محبته

القلب الكبير أقوى من الشر

فالخير الذي فيه، أقوى من الشر الذي يحاربه

ودائماً الخير الذي فيه، هو الذي ينتصر ومهما أسئ إليه، يبقى كما هو، دائم المحبة للناس مهما صدر منهم

في إساءاتهم إليه، لا ينتقم منه، بل على العكس قد يعطف عليهم ! يراهم مساكين، قد غلبهم الشر الذي يحاربهم. فهم محتاجون إلى من يأخذ بأيديهم، وينقذهم من الشر الذي خضعوا له في إساءتهم لغيرهم ...

أما إذا انتقم الإنسان لنفسه، يكون الشر حينئذ قد غلبه، أخضعه لحب الانتقام، وأضاع من قلبه التسامح والاحتمال والمودة

***

إن محبتنا للناس توضع تحت الاختبار حينما نتعرض لإساءاتهم:

فكل إنسان يستطيع أن يحب من يحبه، ويحترم من يحترمه، ويكرم من يكرم ... كل هذا سهل لا يحتاج إلى مجهود. ولكنه نبيل هو الإنسان الذي يحب من يكرهه، ويكرم من يسئ إليه .. !

وفي هذا يقول السيد المسيح في عظته المشهورة على الجبل:

" لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم وإن سلّمتم على أخواتكم فقط، فأي فضل تصنعون ؟! أليس الخطاة أيضاً يفعلون هكذا ؟ .. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم. باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ".

***

هنا ولا شك تكون المحبة بلا مقابل. أي أن الإنسان المحب لم يأخذ محبة في مقابل محبته. لم يأخذ أجراً على الأرض...

لذلك يكون كل أجره محفوظاً في السماء، إذ لم يستوفِ منه شيئاً على الأرض.

إن القلب الكبير ليس تاجراً، يعطي حباً لمن يقدم له حباً، أو يعمل خيراً مع الذي ينقده شكراً .. !

إنه يصنع الخير مع الكل، بلا مقابل. يعمل الخير لأن هذه هى طبيعته.

لذلك فإنه يعمل الخير مع من يستحقه، ومع الذي لا يستحقه أيضاً .. مع المحب ومع المسيء، مع الصديق ومع العدو...

مثل الشمس التي تشرق على الأبرار والأشرار. ومثل السماء التي تمطر على الصالحين والطالحين ... بل إنه درس نتعلمه من الله نفسه، الذي يحسن إلينا، حتى ونحن خطاة .. !

***

إن القلب الكبير لا يعامل الناس كما يعاملونه. إنما يعاملهم حسب حسب سموه وحسب نبله ...

وهو لا يتغير في سموه وفي نبله طبقاً لتصرفات الناس تجاهه .. إنه لا يرد الإساءة بالإساءة. لأنه لا يحب أن تصدر إساءة عنه إلى أحد، ولو في مجال الرد ..

أما الضعاف، فإنهم يتأثرون بصفات الناس، ويتغيرون تبعاً لها ..

***

وهنا نسأل:

ما معنى رد الإساءة بالإساءة، ومقابلة الخطأ بالخطأ ؟

لقد أجاب الآباء القديسون على هذا الأمر، وشرحوه في جملة نقاط لا مانع من أن نوضحها في هذا المقال:

   1.    هناك إنسان يرد الإساءة بمثلها: التصرف بتصرف، والشتيمة بشتيمة، والإهانة بإهانة ... وقد يرى في نفسه أنه تصرف بعدل ولم يخطئ ! لأن هناك من يردون الإساءة بأشد منها، ويعللون ضمائرهم بأنهم في موقف المعتدي عليه

       2.         وهناك نوع لا يرد الإساءة بمثلها. فلا يقابل إهانة بإهانة، ولا شتيمة بشتيمة.

ولكن الرد يظهر في ملامحه: في نظرة احتقار، أو تقليب الشفتين بازدراء، أو في صمت قاتل ... الخ

***

   3.    وقد يوجد من لا يفعل شيئاً من هذا، ولكن ردّه يكون داخلياً، في قلبه وفي نيته. ويتصور في قلبه تصرفات تحمل معنى ردّ الإساءة بمثلها أو بأشد، ولكنها مخفاة ...

       4.         ويوجد إنسان قد لا ينفعل في الداخل من الإساءة ...

ولكنه إذا سمع أن المسيء قد أصابه مكروه، يفرح بهذا الخبر !

ويرى أن الله قد انتقم له ممن أساء إليه ... وبهذا لا يكون قلبه نقياً تجاه المسيء، بل يكون متعكراً بشيء من الشماتة !

    5.     وقد يوجد إنسان لا تحاربه هذه المشاعر، بل قد يحزن حقاً إذا حدث مكروه لمن أساء إليه. ولكنه في نفس الوقت لا يفرح إن سمع أنه حدث خير لهذا المسيء. إذ يرى أنه لا يستحق الخير، وبهذا يتضايق لأية أخبار مفرحة عنه. ولا يكون قلبه نقياً من جهته ..

***

       6.         إنسان آخر قد لا يفعل شيئاً من هذه كله ...

ولكن إساءة المسيء تظل عالقة بذهنه، لم ينسها لأنه لم يغفرها بعد ...

هذا أيضاً لم يصل بعد إلى مستوى القلب الكبير المحب الذي ينسى الإساءة ولا يعود يذكرها، لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا ...

ولأن القلب الذي ينسى الإساءة يكون صافياً لا يعكره شيء

   7.    وقد يوجد شخص ينسى الإساءة، ويستمر في نسيانها زمناً. ثم تحدث إساءة جديدة من نفس الشخص. فيرجع ويتذكر القديمة أيضاً التي خيّل إليه أنه قد نسيها. ويتضايق بسبب الاثنتين معاً ...

وبهذا يدل على أنه لم يغفر الإساءة القديمة. وأنها لم تمت في قلبه، وإنما كانت نائمة واستيقظت. مثل جرح ربما يكون قد اندمل، ولكن موضعه ما زال حساساً، أقل لمسة تؤذيه ..!

***

إن هناك طريقتين لمواجهة الإساءة: طريقة التصريف، وطريقة الترسيب:

أما طريقة التصريف فهى الطريقة الروحية التي بها يصرف الإنسان الغضب بأسلوب سليم: بإنكار الذات، بلوم النفس، بأن يعذر الغير، بدافع من المحبة والبساطة ...

أما طريقة الترسيب، فهى أن يبدو الشخص صافياً، بينما يكون الغضب مترسباً في داخله. كالدواء الذي يقال في استعماله (رجّ الزجاجة قبل الاستخدام. يبدو صافياً من فوق، بينما هو مترسب في الأسفل. وأقل رجّة تعكر السائل كله الذي يملأ الزجاجة).

إن الصفاء الظاهري من فوق، ليس هو صفاءً حقيقياً كاملاً

***

ولكن لعل إنساناً يقول: كيف يمكننا الوصول إلى هذه الدرجات الروحية من صفاء القلب تجاه الإساءة؟ ألا تبدو غير ممكنة؟

إنها قد تبدو صعبة أو غير ممكنة بالنسبة إلى القلوب الضيقة التي لم تمتلئ بالمحبة بعد، ولا بالإتضاع. أما القلب الكبير فإنه يتسع لكل شئ. إنه لا يفكر في ذاته، ولا في حقوقه. بل يفكر دائماً في راحة الآخرين وفي علاجهم. لذلك لا تهزه الإساءات ...

***

كذلك هو يعلم أن المسيء إنما هو يسيء إلى ذاته-قبل كل شئ-لا إلى غيره ...

إن الذي يقترف الإساءة، إنما يسيء إلى مستواه الروحي، وإلى نقاوة قلبه، وإلى مصيره في الأبدية. ولكنه لا يستطيع أن يضر غيره ضرراً حقيقياً ... فالذي يشتم غيره مثلاً، إنما يبرهن على نوع أخلاقياته هو، دون أن يضر المشتوم في شئ ... يبقي المشتوم في مستواه العالي، لا تقلل الشتيمة من جوهر معدنه الكريم، بل هى تدل على خطأ مقترفها، وسوء مستواه كإنسان شتّام ...

والذي أصابته هذه الإهانة-إن كان قلبه نقياً كبيراً-فإنه لا يتأثر: بل يأخذ موقف المتفرج الذي يرثى لضعفات غيره، لا موقف المنفعل، أو موقف المنهزم ...

***

وهكذا تبدو درجات روحية لمواجهة الإساءة وهى:

احتمال الإساءة، ومغفرة الإساءة، ونسيان الإساءة

حسب المثل الإنجليزي القائل:

Not only to forgive, but rather to forget.

ثم درجة أعلى، وهو محبتك لمن أساء إليك ...

ففي أية درجة من هذه كلها، تضع نفسك أيها القارئ العزيز؟ درّب نفسك على هذه الدرحات الروحية، لكي تصل إلى صفاء القلب ونقاوته. وإن لم تستطيع أن تصل إلى هذه كلها.

فعلى الأقل لا تبدأ بالإساءة إلى غيرك

خذ موقف المظلوم، لا موقف الظالم. وأعلم أن الله سيقف إلى جانبك. أما الظالم فإنه يعادي الله قبل أن يعاديك، وسيكون الله ضده.

وعندما يقف الله معك ضد ظالميك، قل له كما قال السيد المسيح:

"يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"

***

القلب الكبير، الذي يحتمل ضعفات الآخرين، يعيش باستمرار في سلام، بعيداً عن الغيظ وعن الحقد. كل ضيقات العالم لا تزعجه ...

إنه يستمد سلامه من الداخل، وليس من الظروف المحيطة.

حقاً، عنه ليس من صالح الإنسان أن يجعل سلامه القلبي يتوقف على سبب خارجي: إن اضطربت الأمور من حوله، يضطرب معها. وإن هدأت يهدأ. سبب خارجي يجعله يثور، وسبب يجعله يفرح، وسبب يبكيه، وسبب يبهجة. ويكون كما قال الشاعر:

كريشةٍ في مهب الريح طائرة لا تستقر على حالٍ من القلقِ

بل القلب الكبير-في كل مل يحدث له-يكون أقوى من الأحداث، متمالكاً لأعصابه، متحكماً في انفعالاته، محتفظاً بهدوئه ...

***

إن حلّت به ضيقه، لا يفكر في متاعبها، بل يفكر في حلّها ..

ويضع في نفسه أن كل ضيقة لها حلّ أو حلول.

وأن كل ضيقة، لها مدى زمني معين تنتهي فيه ..

إن وصل إلى حلّ، يستريح. وإن لم يصل، يترك الأمر إلى معونة الله الذي عنده حلول كثيرة، معتمداً على هذا الإيمان

ومهما ازدادت الضيقات، فالقلب الكبير لا يسمح للشيطان أن يوقعه في اليأس، وأن يصوّر له الأمور معقدة ولا حلّ لها ...

إن القلب الكبير لا يستسلم للضيقات، بل أنه قد لا يشعر بالضيقة، لأنها لم تضايقه. وأتذكر أنني قلت في إحدى المرات:

إن الضيقة سُميت ضيقة، لأن القلب قد ضاق عن أن يتسع لها.

أما القلب الواسع الكبير فلا يتضيّق بشيء

***

الضيق إذن في قلوبنا، وليس في العوامل الخارجية:

إن تعكرنا نحن، تبدو أمامنا كل الأمور متعكرة ...

وإن تعبنا في الداخل، تبدو لنا كل الأمور متعبة ..

أليس حقاً أن أمراً من الأمور قد يضايق إنساناً ما، وفي نفس الوقت لا يتضايق منه إنسان آخر، بينما الموضوع هو نفس الموضوع !

ليس المهم إذن هو نوع الأحداث التي تحدث لنا. بل المهم بالأكثر هو الطريقة التي نتقبل بها الأحداث ونتصرف معها ..

فالقلب الكبير الذي يصمد أمام الإشكالات، يزداد قوة .. بينما القلب المضطرب الذي ينهار أمامها، يزداد ضعفاً

هى نفس الإشكالات. ولكنها تقوى شخصاً، وتزيده صلابة ومراساً وحنكة. بينما تضعف شخصاً آخر، وتزيده انهياراً وحزناً

لذلك كونوا أقوياء من الداخل. وخذوا من الضيقات ما فيها من بركة، وليس ما فيها من ألم.