التداريب الروحية

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

30/12/2003

جريدة الجمهورية

 


ما أكثر المعلومات التي تصل إلينا عن الفضيلة والتدين..

البعض نسمعه من الوعاظ والمرشدين ورجال الدين. والبعض الآخر يصلنا عن طريق الكتب والقراءة.. والبعض عن طريق الضمير والقدوة. ولكن علي الرغم من كل ما قرأناه وسمعناه. قد تبقي حياتنا كما هي! بدون تغيير في شيء.. نفس الطباع. نفس الأسلوب. وربما نفس الأخطاء! لماذا؟ لسبب واحد. وهو إننا لم ندرب أنفسنا علي ما عرفناه.

 

إن الفضيلة ليست مجرد معلومات.

 ولا مجرد امتلاء من المعرفة الدينية. فالمعرفة وحدها لا تكفي. ماذا يستفيد الإنسان إن كان يعرف كل المعلومات عن الخير. دون أن يمارسه ويسلك فيه؟! ومن هنا كانت

 

أهمية التداريب الروحية.


بالتداريب الروحية نعمل علي تحويل المعرفة إلي حياة.. فندرب أنفسنا علي عمل ما قد عرفناه وتعلمناه. فنتطور من المعرفة إلي الاقتناع. ثم إلي الرغبة والحماس. ثم إلي التنفيذ. إنها لمأساة حقاً أن يقرأ إنسان عن الفضيلة. ويعجب جداً بما وصلت إليه من معرفة. وقد يتحدث عنها. وقد يعظ بها.. ولكنه يقف عند هذا الحد. ويبقي الحديث عن الفضيلة مجرد أفكار تعيش خارج حياته!! دون أن يحّول المعلومات إلي ممارسة عملية.
فبواسطة التداريب يتحول الاقتناع النظري إلي سلوك عملي.


يسبق التدريب الروحي فحص الذات.

 

 لمعرفة ما يجب أن نتدرب عليه؟ ربما يلزمنا التدرب علي ترك خطيئة معينة يتكرر منا السقوط فيها.. أو التدرب علي التخلص من عادة مسيطرة نود أن نتحرر منها.. أو التدرب علي فضيلة من الفضائل نود اكتسابها. ورغبتنا وحدها في عمل الخير لا تكفي. إنما ينبغي أن تشترك الإرادة مع الرغبة. ويشترك التصميم مع الإرادة. وتشترك مراقبة النفس مع كل ذلك وملاحظتها في التنفيذ. ويأتي هذا كله بالتداريب. فلا تبقي علاقتنا بالفضائل مجرد اشتياقات روحية لا نحياها!! هنا يواجه الإنسان ذاته. ويواجه الواقع. ويدخل في جهاد روحي مع نفسه. ويحاول أن يخضعها للحق والبر. ويعرف العوائق التي تمنعه ولا ينتظر في كل مرة يدرب فيها نفسه علي أمر ما من أمور الخير. أن ينجح مباشرة في ذلك. إنما قد يفشل في تدريبه. ولكنه علي الأقل يعرف ما السبب في الفشل؟ هل هو طبعه الغالب عليه؟ أم هي أسباب وضغوط خارجية؟ أم أنه قد نسي التدريب في خضم مشاغله. وهنا عليه أن يلتفت إلي أسباب الفشل أياً كانت. ويحاول بكل عزم وقوة أن ينتصر عليها.. ويكون بذلك قد تعرّف علي المعركة التي ينبغي عليه أن يجوزها. لكي يصل إلي الخير الذي يريده. ولكي يقوي إرادته عليه أن يتذكر وصايا إلهية معينة تؤيد التدريب الذي يعزم عليه. أو أقوالاً مأثورة في ذلك الشأن... ويكون قد جهّز هذا كله. وثبّته في ذاكرته. قبل أن يبدأ في التدريب. بحيث يكون قد اقتنع به تماماً. وبحيث إن صادفه ما قد يكسر التدريب. يتذكر الوصايا والأقوال التي أعدّها لتقويته. فإن فشل. وحاربه الشيطان بأن هناك استثناءات للتدريب عليه أن يعمل لها حساباً فلا ينفذ تنفيذاً كاملاً.. حينئذ يناقش داخل نفسه هذه الاستثناءات المزعومة. وهل هي حقيقية وموجبة. أم هي خداع لكسر ما نوي أن يدرب نفسه عليه؟..

 

ومما يساعد علي نجاح التداريب أنها لا تكون كثيرة في كل مرة.

 

بل يكفي التدرب علي أمر واحد ينجح الإنسان فيه.. فكثرة التداريب في اليوم الواحد. عرضة لأن ينساها المتدرب. أو يرتبك فيها. أو يشعر بصعوبتها وييأس منها.. بينما التدريب علي أمر واحد. سهل في التنفيذ. وسهل في التذكر. ضع أمامك أذن تدريبا واحدا. وركز عليه كل اهتمامك. وصمم علي النجاح فيه مهما صادفتك من عوائق. وإن نجحت فيه. اشكر الله علي معونته لك. واستمر في هذا التدريب مدة أطول. لكي يثبت عندك ولا تدركه نكسة. وعندئذ انتقل إلي غيره وسنحاول أن نضرب لك مثلا لذلك أو عدة أمثلة:
لنفرص أن لك أخطاء في الكلام. فماذا تفعل؟ لا تقل: سأدرب نفسي أنني لا أخطئ في كلامي مرة أخري.. هذا أمر صعب سوف لا تقدر عليه. لانه قد يشمل عناصر عديدة لا تستوعبها ذاكرتك.. إنما استعرض أمامك: ما هي الأخطاء التي تقع فيها حينما تتكلم. وتناولها بالتدريب واحدة فواحدة.


ہ ربما من أخطائك عنصر المبالغة في الكلام. وهذه المبالغة قد لا تخلو من أخطاء. درب نفسك إذن علي هذا الأمر وحده. أعني ترك المبالغة بكل تفاصيلها وصورها.


ہ ربما أيضا من أخطائك في الكلام: بعض ألفاظ قاسية تعودت علي استخدامها. وقد تجرح شعور غيرك. أو تدخله في خصومة معك.. استعرض أمامك كل ألفاظك القاسية. وتدرب علي تركها.


ہ ربما من أخطائك في الكلام. أنك تتعرض لسيرة الناس بالنقد:
حاول أن تتخلص من هذه الخطية الواحدة بالتدريب علي تركها. وفي الواقع قد لا تجدها خطيئة واحدة. وإنما تشمل في داخلها عددا من الخطايا. ربما ماذكرته في سيرة إنسان يكون نقلا مباشرا عما سمعته من شخص آخر. ويكون في ذلك شيء من الظلم. بينما من تتحدث في سيرته يكون بريئا من ذلك. وأنت قد شوهت سمعته ظلما. تدرب إذن علي أنك لا تنقل خبرا دون فحص وتدقيق. وعلي عدم ظلم أحد بما ترويه عنه. وربما يكون ما ذكرته في سيرة إنسان هو دخول في خصوصياته. مما لا يليق بك ان تتحدث عنه. وهو أمر لا يعنيك ولا يعني غيرك. وليس من حقك أن تتعرض لأسرار الناس وخصوصيات حياتهم. ربما يكون فيما تقوله عن سيرة انسان. ما يسبب عداوة بينه وبين غيره. وتكون أنت بذلك زارع خصومات.

 

فتدرب علي ترك ذلك.

 

كل ما نقوله هنا عن بند واحد من أخطاء اللسان. يحمل معه تفاصيل أخري خاطئة. فكم بالأكثر لو كان التدريب عن ترك كل أخطاء الكلام؟! لا شك أنه سيكون تدريبا غير ممكن التنفيذ. بالمثل أيضا لو كان التدريب عن ترك الغضب والنرفزة. وهو عديد التفاصيل. أو لو كان التدريب عن حسن التعامل مع الناس أمثال هذه التداريب لا تصلح أن تؤخذ جملة. وإنما نتناول منها أحد تفاصيليها. ونتدرب علي الحصول علي الفائدة المرجوة منه. وشيئا فشيئا. سوف نصل إلي الكل. باتقان التداريب. فمثلا في تدريب ترك الغضب والنرفزة. يعرف الشخص مع من قد ثار وغضب؟ ولأي سبب؟ وما هي الأخطاء التي وقع فيها أثناء نرفزته؟.. ويحاول أن يعرف هل هذا الغضب كان أمرا عارضا؟ أم ان له عنصر الثبات وأنه يعالج غالبية مشاكله بالغضب؟ وهل بينه وبين هذا الشخص الذي كان موضع غضبه. هل بينهما علاقات سابقة تسبب الغضب لأي سبب ؟ ثم يسأل نفسه: هل كان الغضب هو العلاج الوحيد لذلك الموقف؟ أم كان ممكناً أن يعالجه بطريقة أسلم؟ وهل هو قد تسرع في تصرفه؟ وهل كان بشئ من التفكير. أو بشئ من طول الأناة. أن يسلك بطريقة أكثر هدوءاً وبنتيجة أفضل؟!

 

وهكذا بالتدريب يدخل في فحص النفس وفي محاسبتها


ويدخل أيضاً في التعرف علي أخطاء النفس ومعالجتها فإن وجد الانسان انه مع شخص معين لا يضبط نفسه من الخطأ. يحاول ان يتحاشي هذا الانسان ويتفادي الحديث معه أو الخلطة به. أو يحاول ان يحدد لنفسه سياسة حياله في المرات المقبلة. حتي لا يفاجأ بنفس التصرف منه فيغضب. أو يحاول ان يصلح شعوره من جهته بحيث لا يكون قلبه مستعداً لسرعة الغضب منه. كذلك عليه أن يعرف الأخطاء التي يقع فيها أثناء غضبه. ويدرب نفسه علي تركها
فإن كان في غضبه يرتفع صوته ويحتد. يدرب نفسه علي عدم علو الصوت وعدم الحدّة. وان كان في غضبه تكفهر ملامحه ونظراته. حينئذ يدرب نفسه علي هدوء الملامح والنظرات. وان كان في غضبه يستخدم الألفاظ الجارحة. يدرب نفسه علي هدوء الألفاظ.


المهم أن الإنسان - في تداريبه - يضع نفسه تحت مراقبة وملاحظة. وتحت توجيه خاص


ولا يترك نفسه علي حريتها تتصرف كما تشاء. دون ضابط ودون حساب. ودون تعديل للمسار الخاطئ. إن الإنسان الذي يستخدم التدريبات الروحية. هو انسان ساهر علي خلاص نفسه. مهتم بنقاوة قلبه وفكره وإرادته. وهو لا يجامل ذاته. ولا يبرر تصرفاتها. ولا يدعي انه بلا خطية ! كلنا نخطيء. وعلينا ان نلتفت إلي أخطائنا. ونتدرب علي تركها.
والذي يدرب نفسه باستمرار سيأتي عليه وقت يصبح فيه خبيراً بالحياة الروحية وبالمحاربات الروحية. بل يصبح أيضاً خبيراً بالنفس البشرية. وبما يتفاعل فيها من مشاعر وأحاسيس ورغبات وأفكار.. ويمكنه بطول الخبرة أن يصلح لارشاد غيره.
وليعلم كل إنسان أنه لو درّب نفسه كل أسبوع. أو حتي كل شهر. علي مقاومة نقطة ضعف واحدة. لأمكنه في عام واحد أن يتخلص من 12 نقطة ضعف في حياته.
والمعروف ان الخطايا يرتبط بعضها بالبعض الآخر. بحيث ان التخلص من خطية معينة يؤدي إلي التخلص من خطايا أخري عديدة. كما أن التدرب علي فضيلة معينة - وبخاصة لو كانت من الفضائل الأمهات - ستقود إلي فضائل أخري لم تُوضع في مجال التدريب. وذلك لارتباط الفضائل أيضاً ببعضها البعض كحلقات في سلسلة واحدة.
وليعلم أيضاً انه ان بدأ تدريب نفسه علي مقاومة الخطايا وعلي اكتساب الفضائل فان نعمة الله سوف تعينه إن الله لا يترك الإنسان يجاهد وحده في طريق الوصول اليه. بل لابد ستعمل النعمة معه. مادام بالتدريب قد أظهر انه جاد وملتزم بالسلوك الطيب في الحياة مع الله. لذلك ستتجاوب معه المعونة الالهية. وتسنده لكي ينجح في عمله الصالح. كما تقف إلي جواره في محاربات عدو الخير. المهم أنه - في تدريبه - لا يرجع ولا يتراخي ولا يتكاسل بل يكون حازماً مع نفسه.


وأيضاً إن درّب نفسه علي فضيلة ما. فليعلم ان الثبات في الفضيلة هو السند الأساسي لاقتنائها.


من السهل علي إنسان أن يسير في فضيلة ما يوماً أو يومين أو حتي اسبوعاً. ولكن المهم ان يستمر حتي تصبح الفضيلة عادة فيه أو طبعاً من طباعه. وهكذا تحتاج التداريب إلي مدي زمن. لكي ترسخ في أعماق النفس. لان كل تدبير لا يثبت فيه زمناً يكون بلا ثمر.
ذلك لان الزمن والاستمرارية هما المحك العملي لمعرفة تأصل الفضيلة وعمقها في قلب الانسان وسلوكه. والوقت أيضاً يعطي فرصة لاختبار نوع المعوقات التي تقف ضد التدرب. وطريقة الانتصار عليها. كذلك فليكن التدريب في حدود الامكانيات بحيث يمكن تنفيذه عملياً. فلا يضع انسان تدريباً لنفسه يكون فوق مستوي إرادته. أو لا تساعده الظروف عليه.