أسباب الغضب

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

18/2/2003

جريدة الجمهورية

 

 

قد يغضب الانسان بسبب طبعه ان كان ميالاً إلي الانفعال.

* كذلك يغضب من يريد أن كل شيء يسلك حسب هواه

وطبيعي انه لن يجد الكل يسيرون حسب مشيئته ورغبته. فيتضايق. وقد يغضب ويثور. وبخاصة إذا أصر علي اتجاهه ورفض التنازل عن فكره. فلابد ان يصطدم بغيره ممن لهم فكر مضاد. سواء كان ذلك في بيته. أو في مكان عمله. أو في دائرة نشاطه.

* وأيضاً قد يغضب الانسان إن كانت له رغبة لم تتحقق

فمثال ذلك: الابن المدلل الذي يقدم رغبات. ويصرّ علي تحقيقها مهما كان الأمر. وقد يكون تنفيذها غير ممكن. أو ليس في صالحه. أو ليس مناسبا من جرمة الوقت. ولكنه يغضب وقد يثور. وبالمثل الزوجة التي لها رغبات لا يحققها لها زوجها. وبنفس السبب يغضب مرءوس من رئيسه. بل قد يتذمر العبد علي خالقه أحياناً. إن صلّي طالباً شيئاً ولم يتحقق له طلبه.

***

ومن الأسباب الرئيسية للغضب. عدم الطاعة.

فالأب يغضب لعدم طاعة أولاده. والرئيس يغضب لعدم طاعة مرءوسيه. والمدرس يغضب لعدم طاعة تلاميذه.

وعدم الطاعة يُشعر الكبير بعدم احترام الآخرين له. واستهانتهم بكلامه أو أوامره أو نصائحه. أو يُشعره بعنادهم ولا مبالاتهم. فيثور.

وقد لا يضع الآمر في ذهنه نوعية الأمر الذي أصدره وامكانية تنفيذه. وظروف الأشخاص الذين أمرهم. والعوائق التي وقفت أمامهم. وبدلا من التفاهم معهم يغضب. بينما بالتفاهم أو بالفحص يظهر ان كان العيب فيهم. أو في الأمر الصادر اليهم. أو في الظروف.

***

وقد يكون سبب الغضب هو حب التسلط

وحب التسلط مرض نفسي وروحي يقع فيه كثيرون. ولابد أن يقود إلي الغضب مادام المتسلط يريد ان يفرض ارادته علي غيره. بحق أو بغير حق. أو ان هذا المتسلط يتدخل في شئون الآخرين. ويقيم نفسه وصياً عليهم أو رقيباً. فيؤدي هذا إلي غضب الآخرين منه أو ثورتهم عليه. وبالتالي يثور هو بسبب عدم خضوعهم.

ومثال ذلك الزوج في البيت الذي لا يتعامل كزوج أو كأب. بقدر ما يتعامل كحاكم له سلطان. يأمر وينهي مهما كانت أوامره ممكنة التنفيذ أم لا! وكالأخ الذي يريد أن يسيرّ أخته حسب هواه. في دخولها وخروجها. وفي لبسها وزينتها. وفي طريقة كلامها وكل معاملاتها. لا بالاقناع والتوعية. وانما بالارغام والسلطة. وبالغضب والتحكم!

***

وقد يكون سبب الغضب أسباباً نفسية. منها سوء الظن

فإن أساء الظن بشخص ما. قد يغضب منه ويغضب عليه. وربما يُلصق به كثيرا من المتاعب. ويحمله مسئوليتها. بينما يكون بريئاً!

ويدخل في هذا النطاق ان كان أحد قد أخذ فكرة رديئة عن انسان. ورسخت تلك الفكرة في ذهنه وقلبه بعمق بحيث أصبح غير قادر علي تغييرها. وبسبب ذلك يكون مستعدا دائما للغضب عليه.

وقد يغضب الانسان إذا كانت تعوزه البساطة

فعن طريق فقدان البساطة يقع في تعقيدات كثيرة تدفعه إلي الغضب دفعا. وتصوّر له الأمور مقلقة! بينما لو تناول الأمر في بساطة. لأمكن أن يمر بسلام.

***

وقد يغضب الانسان إن كان من طبعه التشاؤم

كإنسان يتشاءم من الرقم 13 مثلا. فيكون مستعدا ان يتضايق بسبب أي شيء يحدث. ملقياً المسئولية علي هذا الرقم! سواء ان كان تاريخ اليوم. أو رقم الجلوس له كطالب. وما أشبه ويغضب كيف ومع أن هذا من نصيبه! وكيف لم يجد شقة لسكناه إلا في بيت رقم 13 أو مضاعفاته! أو يغضب لان رقم التليفون الذي أعطي له. أو رقم العربة التي اشتراها. يبدأ بالرقم .13

وقد يغضب الانسان إن كان من عيوبه النفسية أنه ضيق الصدر.

أو أنه يشكو من القلق وتوقع الشر.. فكل ما يحدث له يفسره بطريقة تدعوه إلي الضيق والغضب. وإلي الشكوي والتذمر.

***

وهناك نوع من الغضب يمكن أن نسميه الغضب القَبلي:

أي نسبة لما يحدث في القبيلة. يحدث بغضب كل أفرادها. لغضب واحد منهم. ولعل هذا يوضحه قول الشاعر:

إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت القوم كلهمو غضابا

بينما إذا بحثت حالة كل فردي منهم. لا تجد سبباً شخصياً قد أغضبه!

اذن هو قد غضب تضامناً مع غيره بروح القبيلة كما تعوّد.

وهذا الأمر يحدث كثيراً في مجال العائلات والمجتمعات الصغيرة. كما يحدث أيضاً بين الدول التي تجمعها روابط معينة أو تحالفات أو معاهدات أو بين الهيئات التي تكون من جنس واحد. أو من مذهب واحد.

***

وقد يحدث الغضب بسبب الانهماك في المشغولية

فشتان بين اثنين: أحدهما لديه متسع من الوقت للناس وأحاديثهم ومشاكلهم ومناقشاتهم. وآخر مشغول إلي أبعد حد. ليس لديه وقت لاطالة الحديث أو التفرغ للمشاكل والمناقشات. وليس لديه وقت للزيارات أو المقابلات. فان قابل أحداً يريد ان ينتهي من موضوعه بسرعة. لأن له أموراً أخري يريد ان يتفرغ لها. فان أطال الحديث معه يتضايق..

لذلك فالمشغولون عرضة للوقوع في الغضب. أكثر من الذين في فراغ..

التلميذ مثلاً في فترة الامتحانات ليس لديه وقت للمقابلات والأحاديث. فإن أراد أحد ان يشغله بموضوع. فانه سيثير غضبه. وان جاءت أسرة صديقة للزيارة في أيام الامتحانات. وأطالت الجلسة والحديث. يكون أهل البيت ضاغطين علي أعصابهم بسبب اضاعة الوقت. مهما كانت تلك الأسرة عزيزة عليهم. وهكذا كل زيارة أو حديث في وقت غير مناسب.

***

ومن أسباب الغضب: الإرهاق الجسدي والعصبي

إذا كان الإنسان مرهقاً جسدياً. من تعب أو قلة نوم. أو من عمل فوق الطاقة. قد تكون أعصابه غير محتملة. فان حدث ضغط عليه من الخارج. قد يغضب. ويتصرف بغير احتمال. بينما لا تكون طباعه هكذا..

والانسان في حالة الارهاق والتعب العصبي لا يحتمل نقاشا. فان ناقشه أحد وهو مرهق فغضب. يشترك معه من ناقشه في مسئولية غضبه.

لذلك علي الانسان أن يتحين الوقت المناسب للنقاش. ولا يضغط علي انسان مرهق عاجز عن الاحتمال. كما لا يصح ان يرهق مريضا بنقاش. وهو في حالة تعب أو ألم لا تساعده صحته ولا أعصابه ولا قدرته علي التفكير والتركيز.

بينما المستريح جسدياً وعصبياً - علي عكس ذلك - يجد فرصة للاستماع وبحث الأمور بالتروي والهدوء. ويكون أقدر علي حل المشاكل.

***

وأيضاً من أسباب الغضب: الإلحاح

وربما تكون كثرة الإلحاح من أسباب الارهاق العصبي

فهناك نوع من الناس يطلب طلبا من شخص. ويعرف انه غير موافق عليه. أو غير متفرغ له. ومع ذلك فانه يكرر الطلب. ويلحّ ويلحّ. ويصر علي ما يريد. بطريقة متتابعة. تتعب النفس وترهق الأعصاب. حتي ان الشخص الذي يطلب منه الطلب يغضب ويثور.. ويكون صاحب الطلب سببا في الاثارة بإلحاحه. ولا يكون في ذلك حكيما.

لا يكفي ان الانسان لا يغضب. بل يجب أيضاً ألا يتسبب في غضب غيره. وبخاصة إذا كان ذلك فوق احتماله.

ويقع في نفس الخطأ. من يستمر في الكلام مع شخص مشغول غير متفرغ له. فيرهقه ويثيره ويغضبه.

***

ومن أسباب الغضب. أخطاء الآخرين:

لا شك ان أخطاء الآخرين توضع في مقدمة الأسباب الخارجية للغضب. سواء أكانت هذه الأخطاء في حق الشخص الذي يغضب. أو في حق الجماعة. أو هي أخطاء ضد المباديء والقيم.

بعض أخطاء الناس تثير الضمير. ولكنها عند البعض تثير الأعصاب. ومن حق الضمير ان يثور ضد الخطأ. فهذه علامة صحية. أما ثورة الأعصاب فليس الحل السليم. اذا ارتبط عمل الضمير بالحكمة والتروي. حينئذ تعالج الأمور في هدوء. بغير نرفزة مع الاحتفاظ بأعصاب سليمة.

***

وقد يسبب الغضب: أخطاء الآخرين في العمل

كانسان يعمل فيهمل في عمله أو يتكاسل أو لا يقوم بمسئوليته بطريقة جادة أو يتغيب كثيرا بلا سبب معقول ولا مقبول. أو لا يتقن عمله. أو لا يكون مخلصا أو أمينا في العمل أو يكون غير منتج. أو لا تكون مواعيده سليمة.. الي سائر هذه الأسباب التي تؤدي إلي غضب صاحب العمل أو المشرف عليه.

ومن الأسباب المثيرة أيضاً: الغش والخداع في التعامل :

حيث لا يستريح الانسان الي التعامل مع أشخاص غير مستقيمين أو لا يتكلمون بالصدق فيغضب لكذبهم وخداعهم ويغضب لمحاولاتهم في ستر الكذب بخداع آخر وبأساليب اللف والدوران التي لا تنتهي.

***

 

وأكثر شيء من أخطاء الآخرين يثير الغضب: هو الاساءة أو الاهانة. أو جرح الشعور.

سواء كان ذلك موجهاً إلي الشخص نفسه أو الي أحبائه أو هو هجوم ضد عقائده او مُثُله أو كل ما هو مقدس ومحترم في نظره. ولا يقتصر الأمر علي الاهانات الواضحة فقط. انما أيضا ما يظنه الشخص اهانة. حسب مقاييسه الخاصة وحسب فهمه للأمور.

وربما لا تكون هناك اهانة فعلية قد صدرت من أحد. انما نقل الكلام صوّرها هكذا. فأهاجت السامع وأغضبته.

وكم من أمور حدثت بحسن نية. ولكنها فُهمت بطريقة خاطئة واعتبرت اهانات. ولكن التفاهم أوضحها. وبالعتاب الهاديء اتضح الأمر علي حقيقته. فزال اللبس وزال الغضب.

***

من أسباب الغضب أيضا: عدم المحبة. وعدم الاحترام

المعروف ان المحبة تحتمل كل شيء. ولكن اذا كره شخص انسانا فقد يغضب عليه بسرعة ولا يحتمله في أي خطأ مهما كان ضئيلا. وبعكس ذلك يحتمل أخطاء لأحبائه بكل هدوء بينما تكون اشد خطأً. وبهذا تحتمل الأم طفلها ولا تغضب عليه.

والزوج يحتمل زوجته مادام يحبها. فان بدأ يغضب عليها ويقسو في المعاملة. تكون محبته بلا شك قد قلّت. فان وصل غضبه الي الطلاق تكون المحبة قد زالت.

* ويدخل في هذا المجال أيضا: الحقد السابق والرغبة في الانتقام أو الايذاء. هذه التي تكون مترسبة في القلب وتنتظر فرصة للظهور وللتعبير عن مشاعرها المكبوتة وعن ثورتها لسبب لم تغفره بعد.

ذو الحقد السابق لا يحتاج إلي سبب حاضر. انما قد يغضب بلا سبب. اذ عنده رصيد قديم يكفيه وربما يخترع للغضب سبباً بلا داعي!

***

كذلك فان عدم احترام شخص ما. يساعد في الغضب عليه

لان الانسان عادة لا يثور علي من يحترمهم. سواء كانوا كبارا من جهة المركز أو السن أو القرابة. فان غضب علي أحد هؤلاء الكبار. ورفع صوته. يكون قد فقد احترامه لهذا الكبير. ولو وقتذاك.

الغضب عموما في نرفزة. يدل علي عدم احترام وعدم تقدير لأي أحد. والانسان الذي يتعود ان يحترم الكل. ويكلم الكل برقة وأدب وتوقير. لا يكلم أحداً بغضب. الا اذا استلزم الصالح حزما معينا.

***

قد يحدث الغضب أيضا لسبب مالي. أو لأية خسارة مالية

يدخل في ذلك البخل كسبب للغضب. أو التبذير كسبب آخر. وكذلك الخلاف حول أمور الميراث والوصية. والمعاملات التجارية. والضرائب والجمارك. والتلاعب بالأسعار واحتكار الأسواق. وغش الأصناف. والتنافس.

وفي نطاق الوظائف. يدخل في أسباب الغضب: نقص المرتب. أو تأخر المنحة أو العلاوة أو الترقية أو المكافأة أو الحوافز. أو الشعور بالظلم مع المقارنة بالمعاملة المالية للآخرين .