هدوء الطبيعة وهدوء البيئة

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

22/4/2003

جريدة الجمهورية

 

 

هدوء الطبيعة

الطبيعة الهادئة تنقل هدوءها إلي النفس.

وهدوء الطبيعة يساعد علي هدوء الطبع.

من أجل هذا يخرج الناس إلي الحدائق والبساتين. حيث مناظر الطبيعة الجميلة تهدئ الأعصاب. وإن لم يستطيعوا ذلك بصفة دائمة. فعلي الأقل في أيام العطلات. والأثرياء يسافرون إلي بلاد ذات طبيعة جميلة. وكثير من الناس -علي الأقل- يضعون في بيوتهم زهوراً في أوان خاصة. أو يزينون جدران منازلهم ببعض مناظر طبيعية مريحة.

***

والبعض يختارون مساكنهم في أحياء هادئة.

ويسكنون في الضواحي غير المزدحمة بالسكان. حيث لاتوجد معكرات للهدوء كالآلات والماكينات. وصخب المواصلات. وضوضاء المصانع والمتاجر وما إلي ذلك..

وبعض الضواحي والمدن الجميلة. لاتسمح ببناء المساحة كلها. وتحدد مقدار ارتفاع المساكن.

ولذلك توجد حول كل بيت حديقة. بأشجار وأزهار. فتعطي المكان جمالاً. ويتمتع كل شخص بكمية كافية من الهواء النقي. مناظر طبيعية جميلة تجلب الهدوء إلي النفس. وإذ لايكثر عدد السكان. تقل الضوضاء. ويكون هذا سببا آخر من أسباب الهدوء..

***

وما أكثر من كان الناس يلجأون إلي تغيير الجو في أماكن هادئة. التماساً لهدوء الأعصاب.

حتي أن بعض القادة والرؤساء. كانوا في قمة مشغولياتهم ومسئولياتهم. يتركون كل ذلك إلي مواضع هادئة -كشاطئ بحيرة مثلاً- عارفين أن راحة أعصابهم تساعدهم علي تحمل المسئوليات بقوة أوفر. وأيضا لأنهم يرون أن فترة الهدوء تعين علي تجديد الذهن وتصفيته. وكانوا يسمون تلك الفترة Retreat. والبعض كانوا من أجل ذلك يبنون ما يسمونه Retreat Houses لمن يشاءون فترات هدوء والبعض كانوا يذهبون إلي أماكن خلاء..

***

والآباء الذين كانوا يعيشون في هدوء البرية. كانوا هادئين

إذ لم تكن هناك أسباب خارجية تثيرهم أو تزعجهم. لذلك كانت نفسياتهم هادئة. ولهم هدوء في الفكر وفي القلب. وطول أناة في معالجة الأمور. وكانوا يقدمون نصائح هادئة لمن يسترشد بهم. وقد وضعوا أمامهم هذا المبدأ:

بهدوء الجسد وهدوء الحواس. يُقتني هدوء النفس..

وكانوا يفضلون هدوء الليل علي ضجيج النهار. وفي الليل الهادئ. تكون أفكارهم أكثر عمقاً وتأملاً.

أتذكر أنني كتبت في مذكرتي. في إحدي الليالي منذ أكثر من أربعين عاما. وأنا في مغارتي في الجبل. هذين البيتين:

هدوء الليل موسيقي وأسرار تهامسني

وصوت الريح في رفق يصب اللحن في أذني


وللأسف فإن غالبية المدن قد أفسدت هدوء الليل!

وجعلت الليل مجالاً لصخب الملاهي والحفلات بكافة مجالاتها وبرامجها وضجيجها. وابتعد فيها الليل عن الهدوء وعن الله.

إن الإنسان المحب للهدوء. يمكنه أن ينتج في الطبيعة الهادئة لذلك يبحث عن هدوء الطبيعة. حيث يكون عقله أكثر صفاءً.

في الجو الهادئ يتصرف بتعقل وإتزان. ويحل مشاكله -إن وجدت مشاكل- في هدوء. بغير قلق ولا اضطراب. بل الهدوء يعطيه فرصة للتفكير. وفي غير الهدوء يكون فكره مشتتاً. وإذا اضطرب الجو من حوله. يتعرض هو أيضا للاضطراب. ولايجد حلاً.

لهذا كان الحكماء يبحثون عن البيئة الهادئة. التي يمكن فيها لكل منهم أن يفكر بهدوء. ويكون تفكيره رصيناً وقوياً. ويستطيع أن يفهم وأن يستنتج. وأن يلم بالموضوع. ويدبر. وهكذا فالقلب الهادئ. تكون حلوله هادئة.

***

هدوء البيئة

هدوء البيئة يساعد علي هدوء الحواس

والحواس هي أبواب للفكر. تجلب للعقل أفكاراً من نوعها.

والحواس المضطربة تجلب للعقل أفكاراً مضطربة ومما يتعب الحواس في البيئة. ويتعب معها الفكر. كل مايختص بالمساكن. والأصوات. والأضواء. والألوان. والمواصلات. والتليفونات..

***

فإزدحام المساكن في المدينة -أية مدينة- يسبب ضوضاء وصخباً للحواس..

وبخاصة في الشوارع التجارية من المدينة. حيث يزدحم الناس بطريقة غير عادية. وكذلك في الأماكن التي تكثر فيها المصانع والمعامل والجامعات والمدارس والمستشفيات. وما يمكن أن تسمي "منطقة الخدمات" في المدينة.

ويرتبط بكل هذا. تعدد طرق المواصلات. وما تحدثه من أصوات ومن ضجيج..

وبخاصة في ساعات بدء وانتهاء العمل في شتي المصالح. مما يسمونه The Rush Hours. حيث يخرج آلاف من الطلبة والموظفين ورجال الأعمال. إما بعرباتهم الخاصة أو في البحث عن الأتوبيسات وعربات الترام وعربات الأجرة..

***

وهنا يبدو ضجيج المدينة في عمقه. مما يتعب محب الهدوء. ويفقده هدوء الحواس.

وقد تتعطل المواصلات من كثرة الزحام. وبخاصة في المدن الكبيرة المزدحمة بالسكان. وما يتبع كل ذلك من مشاكل وانفعالات وتعطل مصالح البعض وغير ذلك.

لهذا كله يفضل البعض السكني في الضواحي Suburbia لأنها أكثر هدوءاً من العواصم الكبري. ولأنه لا يُسمح ببناء إلا ثلث أو ربع مساحة الأرض. ويبقي الباقي كحديقة مثلاً. كما تبعد المساكن عن بعضها البعض. وهذا يساعد علي الهدوء. وكذلك تساعد الخضرة علي تنقية الجو وهدوء الأعصاب.

***

أمثال هذه الأماكن الهادئة. هي الأماكن السكنية في المدينة

ونظراً لارتفاع ثمن الأراضي حالياً. ولكثرة السكان وأزمة المساكن. فإن أمثال هذه البيوت المريحة الهادئة. من الصعب أن تتوفر إلا للقادرين مالياً الذين يحبون الهدوء والسكون.

وتلافياً للنقص تحاول بعض المدن. أن تخصص في تخطيطها قطعاً من الأرض داخل المدينة لتكون حدائق عامة كمتنفسي لأناس. علي أن أمثال هذه الحدائق - علي الرغم من ناحيتها الجمالية والصحية - إلا أنها غالباً ما تكون مكاناً صاخباً من جهة الصوت بسبب كثرة المترددين عليها ولعب الصغار فيها. وهكذا تتحول إلي مكان للترفيه وليس للهدوء...

***

الماكينات

مما يزعج الهدوء أيضاً وجود أماكن صناعية داخل بعض المدن بما فيها من ماكينات. التي وإن يسرت الانتاج. وساعدت علي نشر المدنية والحضارة. إلا أنها تفقد المكان الكثير من هدوئه.

فتفقد المدينة هدوء الصوت. وتدخلها في جو من السرعة بحيث يفقد سكانها هدوء الأعصاب أيضاً.

لذلك فغالبية مدن الغرب. تجعل للصناعة منطقة خاصة Zone لا تتداخل مع المنطقة السكانية. وهذا طبعاً لم يحدث مع مدن قديمة. مثل حلوان ومصر القديمة. حيث توجد المدابغ والمحاجر والمصانع. ومع تعكير الصوت يوجد تعكير الجو أيضاً مما نرجو أن يوجد حل له. وايجاد مصالحة بين الناحية الاقتصادية والنواحي الصحية ولزوم الهدوء للسكان...

***

الماكينات والآلات وبخاصة في التكنولوجيا الحديثة. تسببت في البطالة. إذ تقوم الآلة بما كان يقوم به عشرات من العمال

ونلاحظ هذا في عديد من مجالات العمل. كما في مجال البناء والتعمير. وفي الزراعة والري. وفي أنشطة الكومبيوتر بصفة عامة.

حتي أنه عندما ظهرت الآلات في بدء عصر النهضة منذ حوالي خمسة قرون. عُرف ذلك في التاريخ باسم "الانقلاب الصناعي". فكم بالأكثر تطور الآلات بشكل خطير في عصرنا الحاضر!

والبطالة ولاشك تؤثر علي هدوء العالم

إذ توجد طبقة ضخمة من العمال والموظفين قلقة علي مصيرها ومعيشتها. وأصبحت البطالة مشكلة في كثير من أقطار العالم وفي كثير من البلاد المتمدينة التي تحل فيها الآلة محل الانسان!

***

نحن لا نستطيع أن نلغي الآلات. بعد أن استقرت علمياً. وصار لها تأثيرها في المدنية والاقتصاد..

ولكن هدفنا في هذا المقال أن نتحدث عن تأثيرها في الهدوء. سواء من جهة أصواتها وتأثير ذلك علي الحواس. وسرعتها وتأثير السرعة علي الأعصاب. بالاضافة إلي ما تسببه من بطالة. و نتائج تلك البطالة من الناحية الاجتماعية والخلقية وازعاج الهدوء النفسي.

يضاف إلي كل هذا. بعض الماكينات والآلات التي تلوث الجو بالدخان والبخار. وما يتسبب عن ذلك من تأثير علي الصحة يفقد الانسان هدوءه...

***

الأصوات والأضواء

الأصوات العالية تزعج الهدوء.

سواء ما يصدر عن القطارات والعربات. وآلات التنبيه في العربات. وأصوات الدراجات البخارية "الموتوسيكلات". وأصوات الطائرات. ومكبرات الصوت التي يستخدمها كثيرون بطريقة مزعجة. وأصوات الباعة في الأحياء الشعبية.. إن صخب الأصوات في المدينة يُفقد أهلها هدوء الحواس. وبخاصة إن كانت هذه الأصوات تعلو. ويتداخل بعضها في البعض أحياناً. وبدون ضابط..

حتي في أحاديث الناس العادية:

هناك من يتحدثون في هدوء بغير صخب. بينما يتكلم غيرهم فيسببون ضوضاء يُفقد المكان هدوءه. ويشعر سامعوهم كما لو كانوا في شجار أو في معركة..!

***

لذلك قد تكون التليفونات أحيانا سبباً يُفقد الناس هدوءهم

وذلك إذا ما أكثر الناس استعمالها. وطالت أحاديثهم. وأفقدت الإنسان إحساسه بملكيته لوقته. أو أشعرته بأنه قد فقد حريته. أو أن أعماله قد تعطلت. وبخاصة لو كانت تلك المكالمات في أوقات غير مناسبة. أو كانت متتابعة.

لذلك فإن الذين يريدون تقضية وقت هاديء. يبعدون عن التليفونات واستخدامها. ويقصرون ذلك علي الضروريات فقط. أو يعهدون إلي سكرتاريتهم بالرد علي التليفون. أو يجعلون أرقامهم سرية ولا يعرفون بها إلا الخاصة. أو يستخدمون مع التليفون Answering Machine.

***

الألوان

للألوان أيضاً علاقة بالهدوء. فمنها ما يشيع الهدوء في النفس. ومنها ماهو مثير كاللون الأحمر مثلاً. إلا لو كان مجرد تنوع في مجموعة

لهذا كثيرون يهمهم إختيار الألوان في ملابسهم وأثاثاتهم والصور التي يعلقونها. وأنواع الزهور التي يختارونها أو يهدونها لغيرهم

نذكر أيضاً الأضواء. فالأنوار الشديدة تتعب العين والأعصاب. كذلك الكشافات الشديدة تتعب السائقين في الاتجاه المضاد.