الأعــذار والتبريـرات

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

21/9/2004

جريدة الجمهورية

 

 

قد يخطيء الإنسان.. ولكنه لا يشاء أن يعترف بأنه مخطيء..


ولذلك يغطي الخطأ بالأعذار والتبريرات. أو يحاول أن يقلل من شأن ذلك الخطأ. ويقف أمام الناس بريئاً وبلا عيب.. وما أسهل علي الضمير الواسع أن يجد عذراً لأية خطيئة يقع فيها..! وما أسهل عليه أن يبرر أي موقف. بأي كلام..! وباب التبريرات باب واسع.. إن فُتح. اتسع لكل فعل.. وفي تبرير الخطأ. يمكن تسميته باسم آخر مقبول. أو باسم فضيلة!
فالقسوة الشديدة في التربية. يمكن تسميتها بالحزم والتأديب.. والفكاهات البذيئة يمكن أن تسمي باللطف وروح المرح.. وما أكثر الخطايا التي توضع تحت اسم الفن.. وكثير من الانحرافات في بلاد الغرب توضع تحت اسم الحرية وحقوق الإنسان!!

* * *

الدافع الأول إلي الأعذار هو تبرير الذات.. والسبب الحقيقي للأعذار الخاطئة هو كبرياء النفس التي ترفض أن تعترف بالخطأ..


والذات صنم يتعبد له الإنسان ويريده أن يكون كاملاً وجميلاً في عينيه وفي أعين الناس. لا تشوبه شائبة. وان وُجدت هذه الشائبة. يحاول أن يمحوها بالأعذار والتبريرات..
وتبريرات الأخطاء في حد ذاتها هي خطأ آخر قد يحط من قدر الإنسان أكثر من الخطأ الأصلي الذي يحاول أن يبرره.. وربما ينطبق عليه المثل القائل "عذر أقبح من ذنب"!

* * *

والأعذار قد تكون مكشوفة ومختلقة.. وتصبح غير مقبولة.

 
بل قد تكون مجالاً للسخرية. وسبباً للإثارة. لأنها تدل علي استهانة بقيمة الخطأ. وتقليل من شأنه. وعدم الندم عليه مما يسبب الاستمرار فيه. وهذا طبعاً شيء مثير.
ومن هنا كانت التبريرات والأعذار ضد التوبة وإصلاح النفس ومعالجة أخطائها.. فالإنسان يعالج ما يراه خطأ. أما الذي يبرره. فكيف يعالجه؟! لأنه "لا يحتاج الأصحاء إلي طبيب. بل المرضي" وهكذا تكون التبريرات والأعذار. هي ضد الإتضاع وضد التوبة.. فالإتضاع يعترف بالخطأ. ولا يبرره..

* * *

علي أن هناك نوعين من التبرير: أحدهما أمام الناس.والثاني أمام النفس


فقد يوجد شخص يبرر خطأه فيما بينه وبين نفسه. وبالتالي أمام الناس.. وهذا نوع تختل في داخله القيم وموازين الأمور.. ونوع آخر يعترف في داخل نفسه أنه أخطأ.. ولكنه أمام الآخرين يحاول أن يبرر نفسه. بدافع من الخجل. أو حفظا لكرامته وسمعته أمامهم! وهذا النوع يمكن أن يصلح نفسه وعليه أن يعرف أن كرامته الحقيقية تكمن في نقاوة حياته. وليس في مظهر يظهر به أمام الناس. وقد يأتي بنتيجة عكسية!

* * *

علي أن الإنسان- مهما حاول أن يبرر نفسه أمام الناس- أتراه يستطيع أن يبرر أخطاءه أمام الله العارف بالقلوب والأفكار؟!


أمام الله الحقائق كلها واضحة. لا تغيرها ادعاءات الناس وأحكامهم وتبريراتهم. ولا تؤثر عليها الأعذار.. وفي الأبدية سوف توزن أعمال الناس وأقوالهم بميزان كله دقة وحق..
لذلك كلما حوربت أيها الأخ بتبريرك لنفسك. قل بصراحة كاملة "وماذا أفعل حينما أقف أمام الله الديّان العادل؟!". واحكم يا أخي علي نفسك قبل أن يُحكم عليك..
وفي صلواتك اعترف بكل أخطائك. واطلب عنها المغفرة.

* * *

وتبرير النفس أمام الناس. قد يكون لوناً من الخداع ومن المكابرة.
وشرحاً لما حدث من الأمر علي غير حقيقته..


وعموماً. فتبرير النفس في أخطاء واضحة. هو لون من الرياء. يريد صاحبه أن يراه الناس بغير الواقع. وكما قال الشاعر : ثوب الرياء يشفّ عما تحته .. فإذا التحفت به فإنك عارِ
وهكذا يكون تبرير الذات في أخطائها هو ضد الحق والصدق.. وبخاصة أن كان يعرف من يبرر ذاته أنه غير صادق فيما يقول.. وأيضاً إن كان يلجأ إلي الاحتماء وراء أسباب ثانوية بعيدة عن السبب الأساسي! وقد يقف الكذب معيناً لكل خاطيء. وبيده ورقة تين عريضة كي يستر بها عريه. وذلك بأعذار وتبريرات تصرخ كلها قائلة : إنني مجرد ستار لنفس أتعبتها الكرامة والكبرياء. أو أتعبها الخجل. فتريد أن تقف أمام الناس بريئة. بأية وسيلة أو أي سبب!

* * *

والذي يبرر نفسه بعذر ما. قد ينكشف هذا العذر. فيغطيه بعذر آخر. ويدخل في سلسلة من الأعذار والتبريرات لا تنتهي..


وقد تكون مسببة للإثارة. إن كانت أعذاراً واهية لا يقبلها العقل. وواضحة فيها الحيلة والرغبة في الهروب من المسئولية وكان خيراً لمقدم هذه التبريرات أن يصمت. إن لم يستطع أن يعترف بالخطأ. فالصمت لا يثير كالأعذار التي تدل علي استهانة بالخطأ. وعدم احترام لعقول الناس التي تكتشف زيف الأعذار.. يا ليت الإنسان يبعد عن الخطأ. الذي يحتاج إلي تغطيته بمثل هذه التبريرات..

* * *

هناك نوع آخر من التبرير. هو تبرير الأحباء والأصدقاء. والزملاء في هيئة واحدة اجتماعية أو سياسية أو ما شاكل ذلك..


من هذا النوع تبرير الأم لتصرفات ابنها. لتحميه من نقد الآخرين أو من عقاب أبيه. وكذلك تبرير شخص لأخطاء الفرقة الرياضية التي ينتمي إليها. دفاعاً عن سمعتها. أو دفاع سياسي عن حزبه في كل تصرفاته بتبرير لكل ما يفعل وكل ما يقول. وبنفس الوضع تبرير دولة لدولة أخري صديقة أو حليفة مهما كانت أخطاؤها!! نحن لاننكر واجبات القرابة والانتماء والصداقة. ولكن الحق هو الحق ينبغي ألا يحيد عنه أحد مهما كانت الدوافع.
والمحبة الحقيقية هي أن تنصح من تحبه ليسير في الطريق السليم ويعالج أخطاءه. لا أن تشجعه علي البقاء فيما هو فيه تبرير أخطائه..

* * *

نوع آخر من التبرير يقع فيه بعض الوكلاء أو المرءوسين أمام رؤسائهم. لتبرير أخطاء أو انحرافات في الإدارة..


وذلك بأسلوب "كل شيء تمام يا أفندم"! الذي يلجأ إليه البعض. لإيهام المدير أو الرئيس بأنه لا يوجد خطأ يشوب إدارتهم. فإن سألهم عن الشكاوى التي ترد إليه. يبررون الأمر بأنها كلها شكاوى كيدية تمّ فحص أمثالها وثَبُتَ زيفها. وأحياناً يقولون في تبريرهم لذلك : نحن نعرف مصدر كل ذلك. وهو شخص موتور. رفضنا أن نصرّح له بطلب منه غير جائز. فملأ الدنيا شكاوى بعضها بأسماء وهمية. ليرغمنا علي الخضوع لطلبه!!
نصيحتي لهذا المدير أو الرئيس أن يحقق بنفسه فيما يرد إليه من شكاوى. أو يعهد بها إلي لجنة محايدة. ولا يتركها إلي الحاشية المحيطة به لئلا تضلله بتبرير كل الأخطاء والانحرافات.

* * *

نوع آخر من التبرير يتعلق بتقصير البعض في شئون العبادة أو بواجباته الروحية بصفة عامة..


فقد يقصّر إنسان في صلواته. ويحاول أن يبرر ذلك بعدم وجود وقت لديه لأدائها! بينما لديه الوقت الكافي لقراءة الجرائد والمجلات. ولسماع الإذاعة والتليفزيون. ولديه وقت للسمر مع أصدقائه. وتقف مشكلة الوقت في مجال الصلاة وحدها!! والحقيقة أنه ليست لديه الرغبة ولا الدافع الداخلي للصلاة. فيلجأ إلي تبرير زائف هو عدم وجود وقت! بينما لو شاء أن يرتب وقته بين سائر مسئولياته. لوجد الوقت... إنه إذن تبرير زائف. وبنفس المنطق والأسلوب من يقصّر في الصوم. ويبرر ذلك بأن ظروفه الصحية لا تساعده! بل أكثر من هذا. من يفلسف الموضوع ويقول إن الله هو إله قلوب. وليس الجوهر هو الصلاة والصوم!! وماذا يمنع أن يجتمع الأمران معاً: القلوب مع الصلاة والصوم؟!

* * *

علي أن هناك تبريراً آخر يلجأ الكثيرون إليه من جهة أخطائهم الاجتماعية.
وهو قولهم "كل الناس هكذا... هل نشذّ نحن؟!"


والتعبير غير دقيق. لأنه من الناحية العملية ليس كل الناس علي خطأ. وحتى لو وُجد تيار عام خاطيء. لا يصح أن يخضع الكل له.. ومن هنا كان الأبرار الذين لا يجرفهم التيار. وشعار كل منهم هو قوله: سأطيع الله حتى .. لو أطعت الله وحدي وأيضاً موقف القادة والمصلحين الذين وقفوا ضد التيارات العامة والتقاليد المتبعة في أيامهم. حتى غيرّوها..
نردّ بهذا علي الذين يقولون مثلاً "الموضة هكذا" أو "هكذا العرف والتقاليد التي يسير عليها كل الناس"!! لدينا أخطاء شائعة في حفلات الزواج. وفي زيارة قبور الموتى. وفي مناسبات عديدة. وتبرير وجودها كلها إنها متوارثة منذ زمن... وهي تحتاج بلاشك إلي تغيير. مع توعية لمن يلتزمون بها..

* * *

إن لم تستطع أن تؤثر علي المجتمع بروحياتك. فعلي الأقل لا تندمج فيه ولا تخضع له. ولا تجعل الأخطاء التي حولك تؤثر عليك..


المفروض في الأبرار أنهم يطيعون ضمائرهم غير منجرفين مع التيار. معتذرين بأن الجو العام هو هكذا. فالقلب الضعيف هو فقط الذي يسقط.. إن نوحاً أبا الآباء عاش في جو بلغ من فساد أن الله أغرقه بالطوفان أما نوح فاحتفظ بمبادئه. وركب الفلك وحده مع عائلته..
لماذا إذن تأخذ موقفاً ضعيفاً أمام الذين يعيرونك بتدينك؟! أولئك الذين يسخرون بالأسلوب الروحي. محاولين بسخريتهم أن يضعفوا معنوياتك. ويجذبوك إلي طرقهم.. فإما أن تكون قوياً في إقناعك لهم. وتثبت في سمو حياة الروح. أو تصمت وتظل راسخاً في طريقك..

* * *

هناك عذر آخر يلجأ إليه العديد من المخطئين. وهو أن وصايا الله بعضها صعب. والطبيعة البشرية أضعف من أن تنفذه!!


ونقول إنه لو كانت الوصايا صعبة. ما أمر الله بها. فكيف يأمر بما لا يمكن تنفيذه؟! وإلا ينطبق قول الشاعر: ألقاه في اليَمّ مكتوفاً وقال له .. إياك إياك أن تبتلّ بالماء
اعرف أن الله عندما يعطي البشر وصيته. إنما يعطي معها القوة علي تنفيذها. فهو يعطي الوصية والنعمة معاً. غير أن البعض لا يستخدم نعمة الله المعطاة له. ويعتذر بضعفه البشري!
في طريق البر. لا تخف من خطية. ولا من عادة أو طبع. ولا من شيطان.. ولا تجعل الخوف مبرراً لك في ترك العمل الروحي.. طوبي لأولئك الذين كانوا منتصرين في قلوبهم علي الخطية. وكانت لهم الصلوات القوية التي تستنزل لهم معونة الله. ولذلك لم يعتذروا أبداً بصعوبة الوصية. ولم يتخذوها وسيلة لتبرير أنفسهم في أخطائهم.

* * *

البعض - في فشلهم الروحي - يعتذرون بوجود عوائق في الطريق...


منطق الضعفاء هو الخوف من العوائق. ومنهج الأقوياء هو الانتصار عليها.. كلما كانت أمامك عوائق في طريق البر. وانتصرت عليها. حينئذ يكون أجرك أعظم.. إنها فترة اختبار لنا علي الأرض. الله - تبارك اسمه - يجعل أمامنا طريق البر واضحاً.. والشيطان يلقي في هذا الطريق عوائق. وعلينا أن نكافح ونجاهد لكيما يقودنا الله في موكب نصرته..
أن الأبرار لم يعبأوا بالعوائق. ولم يعترفوا بها. كان الخير الذي فيهم أقوي من الشر الذي يحاربهم. فانتصروا علي كل العوائق التي تحاربهم. وساروا في الطريق والنعمة تسندهم. حتى وصلوا ونالوا أكاليل جهادهم. وفرحت السماء بهم. بقدر ما تكون دوافعك الداخلية قوة. بقدر ما تنهار العوائق أمامك.