بين السرعـة والـبطء

بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

19/10/2004

جريدة الجمهورية

 

 

نحن في زمن يتميز بالسرعة. كل ما فيه سريع: توجد سرعة في تلاحق الأحداث. وسرعة في تناقل الأخبار. وسرعة نتيجة للمخترعات الحديثة مثل الإنترنت. والفاكس وال Mobile Phone. والكمبيوتر. وحتى في الطيران وُجدت السرعة التي توصل إلي القمر والمريخ. وسرعة طائرات ال Concorde. وفي الماكينات توجد سرعة: سرعة في الإنتاج. وسرعة في المطابع وفي استخدام الآلة الكاتبة. وكثيرون جرفهم تيار السرعة في كل مجالات حياتهم. ونتيجة لكل ذلك. يقف البعض أمام سؤال هام: هل من الصالح الإسراع أم البطء. والبعض يقول هناك فرق بين السرعة والتسرع. وبين البطء والتباطؤ..! والسؤال مازال موضع حوار. ونود هنا أن نوضحه...

***

نقرأ لأحد الشعراء يشجع علي التروي والتأني فيقول: قد يدرك المتأني بعض حاجته .. وقد يكون مع المستعجلِ الزللُ ولكن هذا الرأي لا يعجب شاعراً آخر. فيرد عليه قائلاً:
وكم أضر ببعض الناس بطؤهمو .. وكان خيراً لهم لو أنهم عجلوا
وهكذا بقي الأمر كما هو موضع حيرة: هل نبتّ في أمر بسرعة. أم من الأفضل التأني والتروي؟ ... فما هو الحل؟ لا شك أن كثيراً من الأمور لا يمكن أن تقبل التباطؤ
وقد يكون البطء فيها مجالاً للخطر والخطأ. ويحسن فيها الحزم والبتّ السريع.. وسنضرب لذلك أمثلة:

***

فمثلاً لا يصح أن يتباطأ إنسان في التوبة:

لأن كل وقت يمر عليه في الخطيئة. إنما يزيد عبوديته لها. ويحوّل الخطأ إلي عادة. وقد يحوّل العادة إلي طبع. وربما يحاول الخاطئ فيما بعد. أن ينحل من رباطات شهواته فلا يستطيع. أو قد يستطيع أخيراً بمرارة وصعوبة وبعد جهاد مميت. وكل ذلك لأنه أبطأ في التوبة وفي معالجة أخطائه.. فالذي يتباطأ في إقلاعه عن التدخين أو شرب الخمر. قد يتحول كل منها إلي إدمان يجاهد في علاجه إن جاهد ويصعب الأمر عليه...

***

وبالمثل التباطؤ في معالجة الأمراض الجسدية والروحية:

فالمرض إذا تباطأنا في علاجه. قد ينتقل إلي مراحل من الخطأ يصعب فيها العلاج أو يستحيل. وبالمثل في وسائل التربية. حيث يؤدي التباطؤ في تقويم الطفل أو الشاب إلي إفساده. وصدق الشاعر الذي قال: إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت .. ولا يلين إذا قوّمته الخشبُ سهل عليك أن تصلح تصرفاً سيئاً في طفل. فإذا شبّ علي ذلك وكبر. يكون من الصعب معالجة ذلك فيه. وقد تحوّل إلي عادة أو طبع.

***

المسائل التي قد تتحول إلي خطر. تصلح لها السرعة بل تجب:

كإسعاف مريض. أو إنقاذ غريق. أو إطفاء حريق... لذلك فسيارات الإسعاف. وسيارات المطافئ. يُفسح لها الطريق لتسير بسرعة. حتى لو أدّي الأمر إلي مخالفة إشارة المرور. لأن سرعتها لازمة لإنقاذ نفس إنسان أو عدة نفوس. وفي بعض بلاد الغرب يُوجد لها طريق جانبي يسمي Shoulder تجتازه بحرية. وكذلك بعض سيارات الشرطة.. أما باقي السيارات فالسرعة الزائدة فيها خطأ. وهو ضد قواعد المرور. ولذلك فإن صاحب السيارة قد يقول للسائق ذلك المثل "امشِ علي مهلك. لكي نصل بسرعة"! أي لكي نصل بدون حوادث تعطلنا...

***

أيضا هناك مواقف تُمتدح فيها السرعة. وكأنها فضائل أو مزايا:

مثل السرعة في الفهم. وسرعة البديهة في الرد السليم. والسرعة في الطاعة. والسرعة في التشهيلات وتيسير الأمور. والسرعة في التصرف قبل فوات الفرصة. وكذلك السرعة في التصالح. والسرعة في تنفيذ الوعود. والسرعة في الوفاء بالنذر. وفي رد الديون. وما أشبه...
كذلك السرعة التي فيها حزم وَبتّ سريع. قبل أن تتطور الأمور إلي أسوأ. وقبل أن يسبق السيف العزل. ومثل هذا الحزم يحتاج إلي تصرف سريع قد يكون مؤلماً. ولكنه في نفس الوقت يكون لازماً وحاسماً. بقدر ما يكون سريعاً وحازماً... وهناك علاقات ضارة. وصداقات معثرة. ينبغي أن تؤخذ من بادئ الأمر بحزم. كذلك قد توجد اتجاهات فكرية مخربة. أو اتجاهات سلوكية منحرفة: إن لم يسرع المجتمع في التخلص منها. فقد تقاسي من التباطؤ في علاجها أجيال وأجيال...

***

كذلك من الأمور التي تلزمها السرعة: الإغاثة سواء إغاثة الفرد المحتاج. أو إغاثة المجتمع بالإصلاح المنشود..

ومنها السرعة في نظر الشكاوى. والسرعة في إنصاف المظلوم. والسرعة في إعطاء كل ذي حق حقه. والبعد في الإدارة عن أمور الروتين. وعدم ترك صاحب الطلب ينتظر طويلا حتى يُنظر في أمره.. وقد كتب في أمثال سليمان الحكيم "لا تمنع الخير عن أهله. حين يكون في طاقة يدك أن تفعله. لا تقل لصاحبك اذهب وتعالَ غداً لأعطيك. وطلبه موجود عندك"... بل إن المرتل يصلي في المزمور ويقول "اللهم التفت إلي معونتي. أسرع وأعني". ويطلب السرعة في الاستجابة.

***

تكلمنا عن المجالات التي تلزم فيها السرعة. ونتحدث الآن عن المجالات التي يحسن فيها التأني والتروي. فنقول. ليست أفضل الحلول هي أكثرها سرعة. إنما أفضلها هي أكثرها إتقاناً..

فالسرعة ليست هي مقياس الأفضلية. إنما الأفضلية في الإتقان.. ولنأخذ مثالاً لذلك في الكلام والغضب. إذ يقول الكتاب المقدس: "ليكن كل إنسان مسرعاً إلي الاستماع. مبطئاً في التكلم. مبطئاً في الغضب. لأن غضب الإنسان لا يصنع بر الله". حقاً. إن التباطؤ في الغضب هو فضيلة سامية. لأن الذي يُسرع إلي الغضب. قد يصل إلي الاندفاع. وفي اندفاعه قد يفقد سيطرته علي أعصابه. بل قد يفقد السيطرة علي سلامة تفكيره أيضاً. فيخطئ...

***

لذلك احذر من أن تأخذ قراراً حاسماً في ساعة غضبك... لئلا بذلك تضر نفسك. أو تضر غيرك... إنما حاول أن تهدئ نفسك أولاً. ثم بعد ذلك فكرّ وأنت في حالة هدوء... أو تباطأ وأجّل الموضوع إلي أن تهدأ... فالقرارات السريعة التي تصدر في حالة غضب. تكون في غالبيتها عرضة للخطأ. أما التباطؤ فيعطي فرصة للتفكير والدراسة والفحص... قد يطلق إنسان امرأته. إن أسرع باتخاذ القرار في ساعة غضب! وقد يفقد أعز أصدقائه. وقد يتخلى عن عمله. وربما يهاجر من وطنه.. كل ذلك لأنه أخذ قراراً سريعاً في ساعة انفعال. ولم يعطِ القرار ما يلزمه من الفحص والدراسة. ولم يتروَ ولم يتباطأ. ولم يؤجل القرار إلي أن يهدأ...

***

بل قد ينتحر إنسان ويفقد حياته. لأنه أسرع باتخاذ قرار بذلك وهو في حالة يأس وكآبة. ولم يتباطأ ليدرس ويتفهم الموقف!

أو قد يسرع إلي الانتقام من غيره. بقتله. بحجة الأخذ بالثأر أو الدفاع عن الكرامة. أو الدفاع عن الشرف... كل ذلك في ساعة انفعال. دون أن يتروى ليحسب نتائج ما يفعله. لذلك من الخير أن يبطئ الشخص في الغضب. وإن غضب لا يتخذ قراراً بسرعة. وإن قرر شيئا بسرعة. لا مانع أن يعيد التفكير ويرجع في قراره... وقد يظن البعض أنه ليس من الرجولة أن يرجع الإنسان في كلمته. أو أن يلغي قراراً قد أتخذه. ولكن الحكمة تقضي بأن يراجع الإنسان نفسه فيما اتخذه من قرارات سريعة خاطئة. فإلغاؤها أفضل من تنفيذها...

***

اترك القيادة لعقلك. وليس لأعصابك... لأنك إن أسرعت إلي التصرف في حالة انفعال. تكون مقاداً بأعصابك لا بعقلك.

وفي هذا خطر عليك وعلي غيرك... وحاذر من أن تكتب رسالة إلي غيرك. بسرعة وأنت في حالة غضب. لأنك ستندم علي ما كتبته. ويؤخذ وثيقة ضدك. وإن لم تستطع أن تقاوم نفسك وكتبت مثل هذه الرسالة. فنصيحتي لك أن تتباطأ في إرسالها. اتركها علي مكتبك يومين أو ثلاثة. ثم عاود قراءتها مرة أخري. فستجد أنها تحتاج إلي تعديل. أو تجد انك استغنيت عنها ولم تعد تتحمس إلي إرسالها. وقد تمزقها.

***

إن التباطؤ في الغضب قد يصرفه...

فالغضب يحركه شيطان سريع الحركة. والتباطؤ يشل حركته. ويوقفه عن العمل. فإن دخلت في نقاش أدي بك إلي الغضب. أجّله إلي وقت آخر حتى تهدأ. كذلك عدم السرعة في الكلام نافع ومفيد.. فاستمع كثيراً قبل أن تتكلم. حاول أن تفهم غيرك في عمق. وأن تلمّ بالموضوع إلماماً كاملاً.. وأعط نفسك بهذا الإبطاء فرصة للتفكير. وفرصة لمعرفة ما ينبغي لك أن تقوله. وبهذا يكون كلامك عن دراسة وروية وهدوء. فلا تخطئ.. وإن تكلمت. فلتكن كلماتك هادئة وهادفة. ولا تسرع في حديثك بل تخيّر ألفاظك ولتكن منتقاة. زِنها جيداً بميزان دقيق. قبل أن تلفظها. وإن وجدت عبارة منها غير مناسبة. أبدلها بغيرها. وهذا لا يتأتى لك. إلا إذا كنت مبطئاً في التكلم غير مندفع فيه...

***

إن الكلمة الخاطئة التي تقولها. لا تستطيع أن تسترجعها مرة أخري!!

لقد خرجت من فمك وانتهي الأمر. ووصلت إلي آذان سامعيك وتسجّلت. وحُسبت عليك.. ربما يمكنك أن تعتذر عنها. أو تندم عليها. ولكن لا يمكنك أن تسترجعها. لم تعد تحت سلطانك. لقد حُسبت عليك. لذلك تباطأ في كلامك. إن العربة المندفعة بسرعة. لا تستطيع أن تقف فجأة. أن تغير اتجاهها وهي مسرعة. كذلك المسرع في كلامه: ربما لا يمكنه أن يغيرّ أسلوبه فجأة إن أحسّ بخطئه. وقد لا يحسّ. أما الذي يبطئ في كلامه ويتخير ألفاظه. فما أسهل عليه أن يعدّل أسلوبه إن شعر بخطأ. الهادئ في كلامه. يناقش الفكرة داخل عقله قبل أن ينطق بها. أما المسرع في حديثه. فيقول الفكرة ثم يناقشها بعد ذلك. وقد تكون خاطئة! وقد يضطر أن يسحب فكرته. أو يتنازل عنها. أو يعترف بخطئها. وقد يصيبه حرج في كل ذلك بسبب إسراعه...

***

وكما ينفع البطء في التخلص من الغضب وأخطاء الكلام. كذلك ينفع في إصدار الأحكام.

فلا تحكم بسرعة. ولا تصدّق كل ما يقال... ولا تقبل وشاية ولا دسيسة ضد أحد. إنما حقّق بكل تدقيق. ولا تصدر حكمك إلا بعد مزيد من التروي والفحص. فهناك أخبار ربما تصلك من أصدقائك أو من أبنائك. أو من مرءوسيك أو من رؤسائك. أو من مصادر غير موثوق بها. لذلك تباطأ في حكمك علي الأمور وعلي الأشخاص. واعرف أن التباطؤ في إصدار الأحكام والتروي في ذلك. فيه عدل. وإشفاق علي الآخرين. وحسن علاقات بالناس.

***

كذلك ينفع التروي في تنفيذ الرغبات:

فلا تسرع في تنفيذ كل رغبة تخطر علي قلبك أو ذهنك. لأنك لا تضمن سلامة كل رغباتك. حتى إن كانت الرغبة سليمة. فلا تلهبك إليها السرعة. لأن السرعة من نتائجها اللهفة والقلق. والتعب في الانتظار.. في الشروع في الزواج مثلاً. ينفع التروي والتأكد من توافق الطباع. لأن السرعة في عمل مصيري مثل هذا. قد يحجب عن الشخص عيوباً يلزمه أن يتفاداها. وكما قيل "عين الرضا عن كل عيب كليلة.." كذلك إن كانت لك رغبة عند أحد. فلا تلح عليه إلحاحاً أن ينفذها بسرعة. لئلا يتضايق منك. وربما تكون هناك عوائق أمامه قد تحتاج إلي وقت يساعد علي التنفيذ. وأنت لا تدري..